محكمة العدل الدولية تنتصر لحق الإضراب للطبقة العاملة


جهاد عقل
2026 / 5 / 21 - 22:14     

-قرار تاريخي يعيد رسم ميزان القوى بين العمل ورأس المال
في لحظة دولية تتصاعد فيها الهجمات على النقابات وحقوق العمال، جاء قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن حق الإضراب الذي صدر يوم الخميس 21 أيار 2026 ، ليشكل حدثًا تاريخياً يتجاوز البعد القانوني إلى أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. فالقرار الذي أكد أن حق الإضراب محمي بموجب اتفاقية الحرية النقابية لمنظمة العمل الدولية لعام 1948، لا يمثل مجرد تفسير قانوني لنص دولي، بل إعادة تثبيت لواحد من أهم أسلحة الطبقة العاملة في مواجهة الاستغلال والتهميش.
هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد سنوات طويلة من الصراع داخل منظمة العمل الدولية نفسها، خصوصاً بين ممثلي العمال وأصحاب العمل. فمنذ أكثر من عقد، حاولت مجموعات أصحاب العمل التشكيك في وجود “حق قانوني دولي بالإضراب”، معتبرة أن الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية لا تنص بشكل صريح على هذا الحق. وقد أدى هذا الخلاف إلى أزمة داخل منظمة العمل الدولية عطّلت في بعض الأحيان آليات الرقابة على انتهاكات الحقوق النقابية.
لكن الحركة النقابية الدولية، مدعومة بخبراء قانونيين ومنظمات حقوقية، أصرت على أن حرية التنظيم النقابي بلا حق في الإضراب تتحول إلى حرية شكلية فارغة من مضمونها. فالنقابة التي لا تستطيع ممارسة الضغط الجماعي عبر الإضراب تصبح مجرد هيئة استشارية بلا قوة حقيقية.

- الإضراب: حق أم تهديد؟
لطالما تعاملت الحكومات النيوليبرالية والشركات الكبرى مع الإضرابات باعتبارها “تهديدًا للاستقرار الاقتصادي”، لا باعتبارها حقاً ديمقراطياً. ولهذا شهد العالم خلال العقود الأخيرة موجة واسعة من القوانين التي قيّدت الإضرابات، خصوصًا في قطاعات النقل والطاقة والتعليم والصحة والخدمات العامة.
وفي كثير من الدول، جرى تصوير العمال المضربين وكأنهم عبء على الاقتصاد، بينما جرى تجاهل الأسباب الحقيقية للإضرابات: الأجور المتدنية، ساعات العمل الطويلة، غياب الحماية الاجتماعية، العمل الهش، واتساع الفجوة بين أرباح الشركات ومستوى معيشة العمال.
قرار محكمة العدل الدولية يوجه ضربة معنوية وسياسية لهذا المنطق. فهو يعيد التأكيد على أن الإضراب ليس “فوضى”، بل جزء أساسي من منظومة الحقوق الديمقراطية والاجتماعية. بل يمكن القول إن المحكمة أعادت الاعتراف بالإضراب كأداة توازن داخل علاقات العمل غير المتكافئة أصلًا بين العامل وصاحب رأس المال.

-لماذا القرار مهم عالميًا؟
تكمن أهمية القرار في عدة مستويات:
أولًا: تثبيت المرجعية الدولية،
رغم أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية غير ملزم قانونيًا، إلا أنه يحمل وزناً هائلاً في القانون الدولي. والمحاكم الوطنية كثيراً ما تستند إلى آراء المحكمة بوصفها مرجعًا قانونياً وأخلاقياً عالي المستوى.
وهذا يعني أن النقابات والمحامين والناشطين سيتمكنون مستقبلًا من استخدام القرار في الطعون القانونية ضد القوانين التي تجرّم الإضرابات أو تفرض عليها قيودًا تعسفية.

ثانيًا: تقوية الحركة النقابية عالميًا
في زمن تتراجع فيه نسبة الانتساب النقابي في العديد من الدول، ويجري فيه تفكيك عقود العمل الجماعية وتوسيع العمل المؤقت والهش، يمنح القرار دفعة معنوية كبيرة للحركة النقابية الدولية.
فالقرار يعيد الاعتبار لفكرة أن النضال الجماعي ما يزال مشروعًا وشرعيًا، وأن حقوق العمال ليست مِنحًا من الحكومات أو الشركات، بل حقوق تُنتزع بالنضال والتنظيم.

ثالثاً: مواجهة النيوليبرالية المتوحشة
خلال العقود الماضية، قامت السياسات النيوليبرالية على إضعاف النقابات باعتبارها “عائقًا أمام الاستثمار”. وجرى تفكيك قطاعات عامة كاملة، وتوسيع الخصخصة، وربط الاقتصاد بمنطق الربح السريع.
لكن النتيجة كانت اتساع اللامساواة عالميًا بشكل غير مسبوق. ففي الوقت الذي حقق فيه كبار المديرين التنفيذيين وأصحاب الثروات أرباحًا هائلة، تراجعت القدرة الشرائية لمئات ملايين العمال حول العالم.
ومن هنا، فإن قرار المحكمة يحمل أيضا رسالة سياسية ضد النموذج الاقتصادي الذي يريد عمالًا بلا قوة تفاوضية وبلا أدوات ضغط.

-القرار في سياق عالمي متفجر
يأتي هذا القرار في لحظة تشهد فيها دول عديدة موجات إضرابات واحتجاجات واسعة بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وسياسات التقشف. من فرنسا إلى بلجيكا، ومن أمريكا اللاتينية إلى آسيا، عادت الحركة العمالية إلى الشارع بقوة أكبر.