مأساة محمود سامى البارودى ،،
حسن مدبولى
2026 / 5 / 19 - 21:03
لم يكن نفي محمود سامي البارودي مجرد عقوبة سياسية بعد هزيمة الثورة العرابية فى معركة التل الكبير، بل كان بداية لمأساة إنسانية كاملة، تختصر كيف يُدفَع الشرفاء في مصر ثمن مواقفهم، لا بالهزيمة وحدها، بل بالخيانة أيضًا.
كان البارودي يعرف أن المنفى يقترب، وأن الإنجليز لن يتركوا رجلاً حمل لواء الكرامة الوطنية دون عقاب، وقبل أن يغادر وطنه مكسور الروح، استدعى أحد أصدقائه من أعيان مديرية الغربية، وأفضى إليه بأن لديه بعض المال يخشى أن يقع في يد الاحتلال ويحرم منه أهله ، ويريد أن يودعه عنده حتى تنجلي الغمة، وقال له في نبل الواثق: أنفق منه على بعض آل بيتى دون أن تفصح ،وحتى لا يحتاجون الى مد أيديهم ،
ثم مضى البارودي إلى منفاه الطويل، سبعة عشر عامًا كاملة، ذاق فيها مرارة الاقتلاع من الوطن، ووحشة الغربة، وانكسار الرجل الذي كان يومًا رئيسًا للوزراء ، وقائدًا، وشاعرًا تخشاه السلطة ويهابه الخصوم، سبعة عشر عامًا كافية لأن ينسى الناس، وأن يتبدل الأصدقاء، وأن يسقط عن المنفيين ذلك البريق الذي كان يحيط بهم وهم في ذروة المجد.
وحين عاد الرجل ، لم يجد مصر التي تركها، ولم يجد حتى الوفاء الذي ظنّه محفوظًا في قلوب الرجال، وكان قد اكتشف أن بعض من معارفه ماتوا حسرة وهم يعانون الفقر والحاجة،
فاتصل بصديقه القديم ليلومه و ليسترد وديعته، فإذا بالرجل ينكر كل شيء ببرودٍ جارح، مدركًا أن البارودي عاد بلا سلطة، بلا جيش، بلا نفوذ، وبلا قوة أو قدرة على الانتقام.
بلغ الأمر محمد عبده، فسافر بنفسه إلى طنطا، وحاول أن يوقظ ما تبقى من ضمير في ذلك الصديق الطاعن فى السن . قال له إن العمر مضى، وإن لقاء الله قريب، وإنه لا يليق بشيخ مثلك أن يحمل إلى قبره أموال رجل شريف ذاق ما ذاقه من مرارة النفي والحرمان، وذكره بانه يكفيه عارا تنكره لأهل البارودى وبعد إلحاح طويل، نجح الإمام في انتزاع مبلغ من الرجل، وعاد به فرحًا إلى البارودى ، ظنًا أنه أعاد بعض الحق إلى أهله.
لكن البارودي، في شموخ الجريح الذي لم تكسره الدنيا، رفض أن يأخذ بعض امواله ،
ورأى أن قبول جزء يسير من حقه ليس عدلًا، بل تواطؤ مع الخسة. وقال كلمته المدوية التي تشبه حكم التاريخ أكثر مما تشبه غضب البشر:
إن المال يجب أن يُترك للسارق، ليُكوى به يوم القيامة، وليبقى عذاب الضمير أشد عليه من أي عقوبة،ان كان يمتلك أى ضمير،
في تلك اللحظة، بدا البارودي أكبر من خسارته، وأكبر من خيانة صديقه، وأكبر حتى من منفاه نفسه.
البارودى لم تكن مأساته سياسية فقط، بل إنسانية أيضًا. فقد عاد مثقلًا بالفقد، محطم القلب، بعد أن خطف الموت زوجته ثم ابنته، وكأن الحياة أرادت أن تجرّبه في كل شيء: الغربة، والخيانة، والوحدة، والفقد. حتى الدموع خانته هي الأخرى، فقال في واحدة من أكثر مراثيه وجعًا:
"فزعتُ إلى الدموع فلم تُجبني
وفقدُ الدمع عند الحزن داءُ
وما قصّرتُ في جزعٍ، ولكن،
إذا غلب الأسى ذهب البكاءُ"
ولعل المأساة الأشد قسوة أن هذه القصة لم تبقَ حبيسة القرن التاسع عشر. فما أشبه الليلة بالبارحة. فكم من شريف دفع عمره أو صحته أو مستقبله ثمنًا لموقف سياسي أو كلمة حرة، ثم خرج ليكتشف أن النسيان أسرع من الوفاء، والخوف أقوى من الصداقة، والانتهازيين أكثر قدرة على النجاة من أصحاب المبادئ.
إن تاريخ مصر، في جانب منه، ليس فقط تاريخ الحكام والسلطات، بل تاريخ أولئك الذين دفعوا أثمانًا باهظة لأنهم ظنوا أن الكرامة قيمة، وأن الوطن يستحق التضحية. لكن بعضهم مات في المنافي، وبعضهم عاش غريبًا في بلده، وبعضهم اكتشف متأخرا أن الخذلان هو الثمن الحتمى ،