جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر - ج1 (مقال مُترجَم)


حسين محمود التلاوي
2026 / 5 / 16 - 14:14     

هذه النص الجزء الأول من الترجمة الكاملة للنسخة الإنجليزية من مقال "الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر" للمفكر الشيوعي جورجي بليخانوف، ومصدره موقع الأرشيف الماركسي على الإنترنت.
......
المصدر: جورجي بليخانوف، "مختارات من الأعمال الفلسفية"، المجلد الثالث (دار التقدم، موسكو، 1976)، الصفحات 534-576.
نسخ النص للأرشيف الماركسي على الإنترنت: بول فلُوَرز.
ملاحظة محرر موسكو: كتب بليخانوف هذا المقال لحساب دار مير للنشر في أغسطس وسبتمبر 1913، ونُشر في المجلد الثاني من "تاريخ الأدب الغربي في القرن التاسع عشر"، ضمن قسم "عصر الرومانسية” (موسكو، 1913).
......
الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر
كان الأدب الأوروبي الغربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، شأنه شأن الأدب في كل زمان ومكان، تعبيرًا عن الحياة الاجتماعية. وبما أن جزءًا مهمًا من الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة أخذت تشغله ظواهر أدت، في مجموعها، إلى ظهور ما عُرف في النظرية الاجتماعية باسم "المسألة الاجتماعية"، فمن الملائم أن تسبق مراجعةَ ذلك الأدب لمحةٌ موجزة عن تعاليم الاشتراكيين الطوباويين. وبتجاوز حدود تاريخ الأدب، بالمعنى الضيق للكلمة، تساعدنا مثل هذه الإضاءة على فهم الاتجاهات الأدبية ذاتها. لكن ضيق المساحة يفرض عليَّ الاكتفاء بالإشارة إلى أهم تفرعات الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر، مع توضيح أبرز المؤثرات التي حددت مسار تطورها.
وكما أشار إنجلز في سجاله مع دوهرينج، تبدو اشتراكية القرن التاسع عشر، للوهلة الأولى، مجرد امتداد للاستنتاجات التي وصلت إليها فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر. وأذكر، على سبيل المثال، أن المنظرين الاشتراكيين في تلك المرحلة استندوا بكثرة إلى القانون الطبيعي [1] الذي احتل مكانةً مهمةً في حجج مفكري التنوير الفرنسيين. وإلى جانب ذلك، لا يوجد أدنى شك في أن الاشتراكيين تبنوا بالكامل التعاليم المتعلقة بالإنسان التي اعتنقها مفكرو التنوير عمومًا، والماديون خصوصًا؛ مثل لامتري، وهولباخ، وديدرو، وهلفيتيوس في فرنسا، وهارتلي وبريستلي في إنجلترا. وهكذا انطلق وليام جودوين (1756-1836) من الفكرة التي صاغها الماديون، ومفادها أن فضائل الإنسان ورذائله تحددها الظروف التي تشكل، في مجموعها، تاريخ حياته. [2]
واستخلص جودوين من ذلك أن منح هذه الظروف طابعًا ملائمًا كفيل بالقضاء الكامل على الرذيلة في العالم. وبعد ذلك لم يبقَ أمامه سوى تحديد التدابير القادرة على منح هذه الظروف الطابع المطلوب. وقد بحث هذه المسألة في عمله الرئيسي "بحث في العدالة السياسية وتأثيرها في الفضيلة العامة والسعادة"، الصادر عام 1793. وجاءت نتائج دراسته قريبة للغاية مما يُعرف اليوم بالشيوعية اللاسلطوية. وفي هذا الجانب يختلف عنه كثير من اشتراكيي القرن التاسع عشر اختلافًا واضحًا، لكنهم يلتقون معه في اتخاذهم تعاليم الماديين المتعلقة بتكوين الشخصية الإنسانية نقطةَ انطلاق بعد أن استوعبوها.
وكان هذا التأثير النظري أهم المؤثرات التي تشكلت في ظله العقيدة الاشتراكية في القرن التاسع عشر. وعلى المستوى العملي، جاء التأثير الحاسم من الثورة الصناعية في بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك من الثورة السياسية التي تُعرف باسم الثورة الفرنسية الكبرى؛ ولا سيما مرحلة الإرهاب في تلك الثورة. ومن البديهي أنه في حين بدا أثر الثورة الصناعية أشد وضوحًا في بريطانيا، ظهر أثر الثورة الكبرى بأقوى صورة في فرنسا.