براكسيس جديد: نحو صيرورة المهمشين كذوات فاعلة
هيوا عمر
2026 / 5 / 13 - 23:00
أولاً: واقع جديد
إن الهدف من الأجزاء السابقة لم يكن مجرد عرض للتغييرات على مستوى التجربة والعلاقة بين النظرية والواقع، بقدر ما كان محاولة لرؤية واقع جديد فرض علينا ضرورة إعادة صياغة أطر فكرية وسياسية وتنظيمية مغايرة.
إن المهمشين، والحركات الاجتماعية والبيئية، والأقليات، والشباب، هم اليوم القوة الحقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي. وفي واقع كوردستان والعالم، تشهد أعداد هذه الفئات تصاعداً مستمراً، لا سيما فئة "البريكاريا"، أي أولئك الذين يمارسون أعمالاً غير مستقرة تفتقر إلى الضمان الاجتماعي والعقود القانونية.
في عام 2026، تقع على عاتق القوى اليسارية مسؤولية إخراج قضية العامل من دائرة الشعاراتية والإطار التقليدي الذي يحصر العامل في عمال المصانع فقط، ليشمل هذا المفهوم آلاف الشباب العاملين في خدمات "الدليفري"، وشركات القطاع الخاص، والأعمال المؤقتة، ممن يتعرضون لأشكال مختلفة من الاضطهاد والاستغلال. فهذا هو الجيش الجديد الذي يفتقر إلى أي نوع من الأمان النفسي والمالي والمهني.
ثانياً: طبقة لذاتها
لا تكمن القضية فقط في تشخيص قوى التغيير، بل في عملية تحويلها من "طبقة في ذاتها" إلى "طبقة لذاتها". وهنا تبرز ديالكتيك ماركس؛ فالعمال في البداية ليسوا سوى مجموعة من الأفراد الذين يعملون، لكن حين يدركون حجم الاضطهاد الواقع عليهم، تتولد "الذات" الفاعلة، ويتحولون إلى قوة تغيير اجتماعي وسياسي.
من هنا، ينبغي التعامل مع مكانة العامل بوصفها "استعارة" ذات أبعاد فلسفية وإنسانية، لا مجرد موقع اقتصادي ميكانيكي ضيق.
ثالثاً: التنظيم الجديد
لقد أخفقت أساليب التنظيم القديمة في مواجهة الرأسمالية المعولمة. فالعناد السياسي ليس فعلاً ثورياً، وما نحتاجه اليوم هو "براكسيس" جديد؛ ممارسة جديدة تقوم على التنظيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبناء التحالفات بين الطبقات والمجموعات المهمشة، من ناشطين بيئيين، ونساء عاملات، وعاطلين عن العمل، وأقليات، وتحويل "الاحتجاج المؤقت" إلى "وعي سياسي مستدام".
إن قضية العامل بوصفها "استعارة" في عام 2026 هي، في جوهرها، قضية استعادة الكرامة الإنسانية في عالم يسعى إلى تحويل البشر إلى مجرد "أرقام" و"مستهلكين".
ولا ينبغي للأول من أيار أن يكون مجرد ذكرى تاريخية، بل يجب أن يتحول إلى يوم لرسم خارطة طريق لإنقاذ "الحياة" من براثن عملية "التسليع". وهذا لن يتحقق عبر تنظيم مسيرة سنوية تقليدية في بضع مدن، ثم العودة إلى الصمت حتى العام التالي.
في كوردستان، ومع وجود آلاف المواطنين المهمشين، من الشباب المسحوقين في خدمات "الدليفري"، وشركات القطاع الخاص، والأعمال المؤقتة، والجيش الجديد الفاقد للأمان النفسي والمالي، إضافة إلى الموظفين، والنساء العاملات، والعاطلين عن العمل، وأصحاب العقود المؤقتة، هل سألنا أنفسنا: ماذا سنفعل لهم في الأيام التي تلي الأول من أيار؟ وكيف سنجعلهم يشعرون بوجود فكر وإطار سياسي طليعي يمثلهم؟
هل بمقدورنا تقديم شيء واقعي يزرع الأمل في طريقهم وسط هذه الحالة من اليأس؟ وهل يمكن أن نكون بارقة أمل في عالم محبط ومثقل بالعجز؟
لكي نتمكن من رؤية العمال والمهمشين بوصفهم "ذوات" ومحركين للتغيير العالمي، نحتاج إلى طرح مشروع ورؤية واقعية. فبدون مشروع يمتلك القوة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمهنية في مواجهة سلطة القوى المهيمنة، وبدون أن ينعكس ذلك في تفاصيل الحياة اليومية، سيكون من المستحيل أن نلعب دوراً مؤثراً أو أن نصبح مصدراً للأمل.
وهذا كله لن يتحقق دون "نفضة" قوية للذات؛ انتفاضة تتجاوز أسر الماضي وتعيش الحاضر، من أجل بناء حياة تستحق وصف "الحياة الحقيقية".