النضال الشيوعي: التزام واعٍ بالثورة البروليتارية


مرتضى العبيدي
2026 / 5 / 13 - 14:03     

يُعدّ الانضمام إلى حزب البروليتاريا من أهمّ الخطوات في حياة الإنسان. فهو ليس مجرّد انتماء أو إجراء شكليّ خالٍ من التداعيات العميقة. إنّ كون المرء مناضلاً شيوعياً يعني أن يُحدّد وجوده بوعي، وأن يُوجّه جهوده الشخصية الرئيسية والأفضل نحو مهمة تاريخية: تنظيم الثورة الاجتماعية البروليتارية، والترويج لها، وقيادتها نحو النصر. إنه قرار يُغيّر مجرى الحياة لأنه يُخضع المصالح الفردية للمصالح العليا للطبقة العاملة والشعب، ولأنه يتطلّب اتساقاً دائماً بين ما يُفكّر فيه المرء، وما يقوله، وما يفعله.
يُميّز هذا التعريف الواعي للحياة بشكل جذري النضال الشيوعي عن غيره من أشكال المشاركة السياسية. فعلى عكس ما يحدث في الأحزاب البرجوازية، حيث تُختزل العضوية غالبًا إلى مجرد إجراء شكلي، وفي كثير من الأحيان يكون الدافع وراءها الانتهازية أو السعي وراء المكاسب المادية أو الترقي الشخصي، فإن الانضمام إلى الحزب الشيوعي مشروط بمتطلبات من طبيعة مختلفة. لا يكفي التعاطف أو التعبير لفظيًا عن الالتزام بالشعارات الثورية. يتطلب النضال الشيوعي استيعابًا أيديولوجيًا لرؤية عالمية علمية وثورية: الماركسية اللينينية.
لا يمكن أن يكون هذا الاستيعاب الأيديولوجي سطحيًا أو مجرد تصريح. فالماركسية اللينينية ليست مجرد زينة فكرية أو شعار سياسي، بل هي مفهوم شامل يُفسر الواقع الاجتماعي، ويكشف قوانين التطور التاريخي، ويوجه العمل الثوري للبروليتاريا. لذا، يجب أن يتجلى استيعابها في الممارسة السياسية اليومية، وفي السلوك الشخصي، وفي العمل المنهجي، وفي النضال الملموس جنبًا إلى جنب مع الجماهير. ويُعدّ التوافق بين النظرية والتطبيق شرطًا أساسيًا للنضال الشيوعي.
لا تكون الممارسة السياسية ثورية حقًا إلا إذا استرشدت بمفاهيم أيديولوجية واضحة وراسخة. فالماركسية اللينينية ليست مجرد شعارات تُردد آليًا، ولا عقيدة جامدة لا تتغير، بل هي دليل حي للعمل الثوري. وانطلاقًا من هذا المفهوم، يُحدد الحزب أهدافه الاستراتيجية، وخطه السياسي، ومهامه في كل مرحلة من مراحل العملية التاريخية، آخذًا في الاعتبار الظروف الملموسة للصراع الطبقي. ولذلك، لا يمكن اختزال النضال في نشاط عشوائي أو ارتجال تطوعي، بل يجب أن يرتبط كل عمل بوعي بالأهداف الاستراتيجية للثورة البروليتارية.
يتطلب النضال الشيوعي جهدًا ومثابرة وتضحية. ليس كل شخص مستعدًا لتلبية هذه المتطلبات، ولهذا السبب تحديدًا، لا يستوفي الجميع شروط الانضمام إلى الحزب الشيوعي. النضال ليس امتيازًا أو تكريمًا، بل هو مسؤولية تاريخية تجاه الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة. يتطلب النضال دراسة مستمرة، وعملًا منضبطًا بين الجماهير، ومواجهة الصعوبات المادية والسياسية، ومقاومة قمع الدولة البرجوازية، والتخلي عن الملذات الشخصية، والتمسك بسلوك ثابت حتى في ظل الظروف الصعبة.
لا يمكن للحزب الشيوعي أن يكون مجرد تنظيمٍ شكليٍّ للنضال، يفتقر إلى المطالب والتطبيق العملي. تكمن قوته في الجودة السياسية والأيديولوجية والأخلاقية لأعضائه.
لذا، فإن الاختيار الواعي لمن ينضمون إلى صفوفه ليس استبعادًا تعسفيًا، بل ضرورة موضوعية للنضال الثوري. فالحزب المؤلف من أعضاء غير مؤهلين، أو متقلبين، أو أنانيين، تحركهم مصالح لا صلة لها بالقضية البروليتارية، لا يمكنه أن يؤدي دوره التاريخي كطليعة منظمة للطبقة العاملة.
يُعدّ الانضباط الواعي عنصرًا أساسيًا في النضال الشيوعي. ولا ينبغي فهمه على أنه طاعة عمياء أو خضوع غير نقدي لسلطة خارجية. بل على العكس، يقوم الانضباط الواعي على فهم عميق لضرورة العمل الجماعي، وإخضاع الإرادة الفردية للقرارات التي يتخذها الحزب ديمقراطيًا، وضمان وحدة العمل ضد العدو الطبقي. فبدون الانضباط الواعي، لا وجود لحزب ثوري، بل تشتت وفردية وضعف في النضال.
ينبع الانضباط الواعي من قناعة سياسية والتزام أيديولوجي. وهو تعبير عن وحدة الفكر والعمل التي تُعزز الحزب بوصفه فصيلًا منظمًا من الطبقة العاملة. ويستلزم ذلك إنجاز المهام الموكلة، واحترام الاتفاقات الجماعية، وممارسة النقد الذاتي بمسؤولية، وتحمّل مسؤولية قرارات الحزب، حتى وإن لم تتطابق تمامًا مع الآراء الفردية.
يجب أن يكون عمل أعضاء الحزب موجهًا بالدرجة الأولى نحو رفع مستوى الوعي وتنظيم الجماهير. فالعمال والشعب ليسوا فاعلين سلبيين في العملية الثورية، بل هم القوة الدافعة الأساسية لها. وبدون مشاركتهم الفعّالة والواعية والمنظمة، لا يمكن تحقيق أي تغيير ثوري عميق.
لذا، فإن المهمة الأساسية للمناضل الشيوعي هي المساهمة في تنمية الوعي الطبقي، والتنظيم الشعبي، ورفع المستوى السياسي للجماهير.
نحن الشيوعيون لا نصنع الثورة بمفردنا. هذه العبارة تلخص حقيقة جوهرية من حقائق الماركسية اللينينية. الثورة هي عمل الجماهير، لكنها لا تنشأ تلقائيًا أو بشكل عشوائي. فدور الحزب الشيوعي هو تنظيمها، وتوجيهها، وتزويدها بالقيادة السياسية الثورية. وهذا يتطلب عملًا صبورًا ومنهجيًا ومستمرًا بين الناس، بالاستماع إلى مشاكلهم، وفهم نضالاتهم، وربط مطالبهم المباشرة بالأهداف الاستراتيجية للتحول الاجتماعي.
يجب علينا توحيد الجماهير في منظماتها الطبيعية - النقابات العمالية، وجمعيات الأحياء، والمنظمات الفلاحية، والجماعات الطلابية، والمنظمات المجتمعية - وكذلك في المنظمات السياسية والاجتماعية التي أنشأها الحزب كأدوات للنضال. هذه المنظمات ليست غاية في حد ذاتها، بل هي أدوات للعمال والشعب ليصبحوا قوى دافعة واعية للثورة. من خلالها، تُبنى القوة، وتُدرَّب الكوادر، وتُنمّى خبرة النضال الجماعي، وتُهيأ الظروف الذاتية للتقدم الثوري.
باختصار، يُعدّ النضال الشيوعي مدرسةً دائمةً للتكوين السياسي والأيديولوجي والأخلاقي. فهو يُنشئ رجالاً ونساءً جددًا، ملتزمين بالقضية التاريخية لتحرير البروليتاريا والشعوب المضطهدة. إنه طريقٌ ليس سهلاً، ولا يخلو من التضحيات، ولكنه السبيل الوحيد القادر على تحقيق التجاوز النهائي للاستغلال والقمع. إن تبني النضال الشيوعي يعني تحمل المسؤولية التاريخية، بوعيٍ كامل، للنضال جنبًا إلى جنب مع الجماهير المنظمة، من أجل بناء مجتمع اشتراكي وشيوعي.

صحيفة "الى الأمام"، العدد 2171، من 03 الى 09 فيفري 2026