حين تتحول الاحزاب التي تدعي -الثورية- إلى عكاز للرجعية
محسين الشهباني
2026 / 5 / 12 - 08:52
في اللحظات الحرجة، تخضع التنظيمات التي تدّعي الجذرية لضغط طبقي ساحق، فتقع في مقايضة قاتلة: استبدال النوعية المناضلة المسلحة وعياً، بكمٍّ جماهيري عائم بلا بوصلة. ما يجري اليوم في المغرب من تنسيق بين فصائل ( محسوبة على العمال واستمرارية لتنظيم يؤمن بالعنف الثوري ودك البنيات النظام القائم من اجل بناء جمهورية اشتراكية ) وبين قوى ظلامية، تحت لافتة "التكتيك"، ليس اجتهاداً. هو سقوط مكشوف في مستنقع الإصلاحية الذي فكّكه لينين وكاوتسكي ولوكسمبورغ. إنها محاولة ترقيع العجز التنظيمي بتحالفات مع أعداء الوعي، وهذا يستدعي النقد والنقد الذاتي قبل أن تتحول الأوهام إلى أغلال.
انقد ذاتي صارم أو ذوبان كامل. إما جلد الذات والتراجع خطوة لفرز الصفوف وتنقيتها، وإما الاندماج التام في المشروع الرجعي. الإصلاحية ليست مساراً ثالثاً. هي الوجه الناعم للرجعية. مهمتها الإبقاء على جوهر الاستغلال مع طلاء حقوقي يرضي أوهام البرجوازية الصغيرة، والنتيجة: إدامة اغتراب البروليتاريا وخنق استقلالها.وتلطيخ ارث تاريخي لشهداء دفعو حياتهم ايمانا منهم بافكارهم وقناعاتهم فلا يجب القفز عليها او استثمارها للارتماء في الرجعية مع الإسلام السياسي الرجعي
لينين - _ما العمل_: "إما إيديولوجية برجوازية وإما إيديولوجية اشتراكية. لا ثالث لهما... لا توجد إيديولوجية فوق الطبقات".
. وهم "العدو الرئيسي": تبرير الإصلاحيين للتحالف مع الظلام
تبرير "رفاقنا" لتنسيقهم مع القوى الظلامية، نموذج العدل والإحسان، عبر ثنائية العدو الرئيسي والثانوي، هو خروج فاضح عن الماركسية. هذا خطاب انتقائي ينهل من نصوص مشوهة نُسبت للماركسية زوراً ليصنع "درعاً كرتونياً" أمام النقد.
إسقاط مفاهيم منزوعة السياق على واقع المغرب ليس خطأ تكتيكياً. هو ارتهان إيديولوجي يخدم الطبقة الحاكمة. الرجعية الدينية أو العرقية ليست عدواً ثانوياً. هي المخزن الإيديولوجي للنظام، وصمام أمانه ضد أي وعي جذري، واحتياطي استراتيجي للإمبريالية عند كل أزمة.
إنجلز 1895: "التحالف مع قوى رجعية، حتى ضد عدو مشترك، يقود حتماً إلى إخضاع الحركة العمالية لمصالح تلك القوى. البروليتاريا يجب أن تحتفظ باستقلالها الكامل".
من هو "الشعب"؟ لينين يحسم التحالف الطبقي هذا التكتيك الهجين يصطدم بجدار المنهج اللينيني. لينين في «من أي جهة يهدد البروليتاريا خطر تقييد يديها...»
يحدد بدقة:"القوة القادرة على إحراز انتصار حاسم على القيصرية لا يمكن أن تكون إلا الشعب: البروليتاريا والفلاحين... انتصار الثورة الحاسم هو ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية الثورية".
إذن "الشعب" تحالف طبقي واعٍ له مصلحة في هدم القديم، لا ترميمه. إدخال قوى رجعية في معادلة "الشعب" هو تحريف للماركسية إلى شعبوية. لينين يتحدث عن قوى ديمقراطية، أما رفاقنا فيقيدون البروليتاريا بقوى "ما قبل ديمقراطية" تنكر أصلاً حق العمال في التنظيم المستقل. هذا هو "تقييد اليدين" بعينه: انتحار يجعل الطليعة ذيلاً للرجعية بدل أن تقود الجماهير.
تجربة 20 فبراير شاهد حي الذيلية أصابت الحركة لحظة التساهل مع الظلام.الثورية تُقاس بمن تخاصم وبمن تصادق. أي جبهة تمحو الحدود بين العلم والخرافة، بين الاشتراكية والظلام، هي مصنع لاستبداد جديد.
الإصلاحية تقتل الثورة، والتحالف مع الرجعية يقتل الوعي
يسقط رفاقنا من فخ التكتيك إلى هاوية تمييع المفاهيم، حين يسوّقون للديمقراطية كإطار شكلي يتسع للجميع. نسوا أن الديمقراطية في الماركسية سلاح صراع طبقي، لا هدنة مع الرجعية.
روزا لوكسمبورغ - _الإصلاح أم الثورة؟_: "الإصلاحية ليست تكتيكاً خاطئاً، بل منهج يؤدي موضوعياً إلى تدعيم النظام القائم".
لوكسمبورغ - _الإضراب الجماهيري_: "وعي الجماهير لا يتطور بالتحالفات مع أعدائها، بل بالصراع المستقل ضدهم. كل تحالف مع الرجعية هو تسميم لهذا الوعي".*
لهذا يستحيل الاصطفاف مع الظلاميين حتى في "القواسم المشتركة". *وجبهة مناهضة التطبيع تفضح التناقض:
فلسطين قضية تحرر وطني طبقي في حين الظلاميين يعتيرون فلسطين قضية دينية عاطفية
الماركسي ضد: إمبريالية، صهيونية، في حين الرجعية ضد الصهيوني فقط
لو احتلت قوة إسلامية فلسطين بنفس وحشية الصهاينة، لسقط قناع الرجعية. أما الشيوعي فيبقى ضد كل احتلال. المفاهيم متضادة جذرياً. دورنا فضحهم وتجاوزهم، لا تلميعهم بالتنسيق. هذا التنسيق يقتل استقلال البروليتاريا ويجعلها تابعة لمشاريع القرون الوسطى.
كاوتسكي - _الطريق إلى السلطة_: "أي تحالف مع قوى ما قبل برجوازية هو خيانة لمهمة البروليتاريا في إنجاز الديمقراطية".
الجريمة: قتل التمايز الطبقي في عقل العامل
جريمة "الجبهوية الهجينة" لا تقف عند هدر الجهد. هي اغتيال للاستقلال الإيديولوجي. *حين يرى العامل "الماركسي" يصافح "الظلامي"، ينهار التمايز الطبقي في وعيه. يتحول الصراع من حرب وجود ضد الاستغلال إلى مناوشات بين أجنحة النظام.
التحالف الوحيد الممكن هو مع الكادحين: العمال، الفلاحين، والمثقفين الثوريين من البرجوازية الصغيرة. هذا هو "الشعب" اللينيني: من له مصلحة في تحطيم علاقات الإنتاج، لا ترقيعها بخطاب ديني.
أما هرولة "الطليعة" نحو قوى ملطخة بدم رفاقنا، فهي قتل للحركة. هذا التنسيق يورث اليأس. *كيف تثق الجماهير بمشروع يتحالف مع جلادها المحتمل؟* دماء الشهداء بوصلة، لا ورقة مساومة. التنسيق مع الظلامية تبييض للرجعية ومنحها شرعية تجعل الكادح يثق غداً بمن سيذبحه باسم المقدس.
ماركس - _نقد برنامج غوتا_: "كل خطوة حركة حقيقية أهم من دزينة برامج. لكن إذا كان البرنامج يعني التخلي عن المبادئ، فهو خطوة إلى الوراء".
البديل: النقاء المبدئي وفرز الصفوف
الحل ليس في جبهات أوسع مع الرجعية، بل في ما نادى به لينين في «بصدد تنظيم الحزب تنظيماً جديداً». التنظيم لا يُبنى بالخلط، بل بالوضوح وفرز الخنادق.
إنجلز - رسالة إلى بيبل 1879: "حزبنا يجب أن يظل حزباً طبقياً نقياً. أي تساهل مع العناصر الرجعية، بحجة توسيع النفوذ، هو بداية النهاية".
على "مناضلينا" أن يتراجعوا خطوة ليتقدموا قفزة. المعركة اليوم هي تطهير الحركة الماركسية اللينينية المغربية من السرطان الإصلاحي، وقطع الحبل مع العكازات الظلامية. هذه "الخطوة للوراء" هي القفزة نحو بناء ذات ثورية مستقلة تقود ولا تُقاد.
لينين، ومعها تحذيرات لوكسمبورغ وكاوتسكي، ليست للعرض المتحفي. هي لهدم الإصلاحية الذي يسحق وعي العمال. القوة في النقاء الطبقي والاستقلال التنظيمي، لا في الجماهيرية الزائفة.
التنظيم الذي يخشى النقد ويستبدل "الكيف الثوري" بـ"الكم الزائف" يختار بنفسه الذوبان في مستنقع الإصلاحية. ومستنقع الإصلاحية يصب مباشرة في مزبلة التاريخ.
بقلم محسين الشهباني