يرفض المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية السماح للفلسطينيين الموتى أن يرقدوا بسلام
جدعون ليفي
2026 / 5 / 11 - 16:15
كنا نظن أن اختطاف الجثامين والمتاجرة البغيضة بها هما أخطر أعراض إسرائيل لمضاجعة الموتى. على الأقل هذا ما اعتقدناه حتى نهاية هذا الأسبوع.
مضاجعة الموتى هو انحراف جنسي يتمثل في الانجذاب إلى الجثث. ووفقا لما يُعرف بـ«الكتاب المقدس» للطب النفسي، أي الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، فإن المصابين بهذا الاضطراب يعانون من اختلالات نفسية وجنسية معقدة، ويستمدون المتعة من ممارسة أو مشاهدة أفعال جنسية مع شخص عاجز: جثة لا تستطيع المقاومة. ولا تعتبر الأدبيات الطبية هذا الاضطراب وباءا، كما لا توجد سجلات مكتوبة تصف ثقافات أو دولا كاملة عانت منه.
ثم جاءت إسرائيل. فالدولة التي تختطف وتحتجز مئات الجثامين لأغراضها الملتوية هي دولة أصابها مرض خطير.
لقد أصبح الانحراف أمرا طبيعيا، وصار المحظور مشروعا. وربما عند الحديث عن أمراض دولة إسرائيل وأمراض الاحتلال، ينبغي استخدام الدليل التشخيصي DSM لتشخيص حالة حادة من "مضاجعة الموتى على مستوى الدولة".
بدأت الأمور بشكل بدا أكثر «وعدا». فعندما دمرت إسرائيل 418 قرية فلسطينية عام 1948، وشردت سكانها في كل اتجاه، ومحت أي أثر لذكراها عن وجه الأرض، مع ذلك حرصت على إبقاء المقابر سليمة.
في موقف السيارات التابع لمقر جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» ما تزال هناك مقبرة مهملة ومحاطة بسياج، كانت تعود إلى القرية الفلسطينية التي أُقيم المبنى على أنقاضها, وهي آخر معلم متبق، يُمنع الدخول إليه. كانت إسرائيل الفتية، الساعية إلى إظهار صورة «المستنير» والمراعي لمشاعر الآخرين، تحترم كرامة الفلسطينيين الموتى. أما الأحياء منهم, فيحترمون بدرجة أقل بكثير.
لقد سالت الكثير من الدماء منذ ذلك الحين في خنادق الحروب والاحتلالات, ومن ذا الذي يتذكر ما فعلناه عام 1948؟, لتفقد المقابر حصانتها. ففي غزة ولبنان وغيرهما من مواقع الدمار، لا توجد ميزة لكونك فلسطينيا ميتا.
فالكرامة للموتى مخصصة لليهود وحدهم، مع الحرص الشديد على توفير «قبر يهودي» لهم. سنقيم الدنيا ولن نقعدها على بقايا جثة يهودية حتى تُدفن، بينما نترك وراءنا مواقع دمار ترقد تحتها مئات الجثامين الفلسطينية، فريسة لطيور السماء وكلاب الأرض.
لقد كنا نظن أن اختطاف الجثامين والمتاجرة المشينة بها هما أخطر مظاهر اصابة إسرائيل بمضاجعة الموتى. على الأقل هذا ما اعتقدناه حتى نهاية هذا الأسبوع.
ففي يوم الجمعة، أجبر مستوطنون من مستوطنة «سانور» سكان قرية العسعسة الفلسطينية في الضفة الغربية على نبش قبر دُفن حديثا، بحجة أنه «يقع على مسافة قريبة جدا من المستوطنة».
وقد وصف مراسلا صحيفة هآرتس، ماتان غولان وبار بيليغ، كيف جاء «عشاق الموتى» إلى القبر مباشرة بعد الجنازة، التي كان الجيش قد سمح بها، وهم يحملون أدوات الحفر، وبدأوا ينبشون الأرض بهدف استخراج الجثة.
وتم تصوير جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وهم يراقبون هؤلاء المهووسين بالموت دون أن يحركوا ساكنا، بل شاركوهم حماسهم. وفي النهاية أجبروا الأهالي المفجوعين على نقل الجثمان ودفنه في مكان آخر.
يمكن الافتراض أن المستوطنين اعتقدوا أن جثمان الفلسطيني «ينجس» مستوطنتهم المقدسة، ولذلك رأوا أن من واجبهم إزالة هذا «الرجس» فورا. ولو استطاعوا لألقوا بالجثة في مكب نفايات. فما قيمة حياة الفلسطيني بالنسبة لهؤلاء الأوغاد؟ وما قيمة جثمانه؟ فقط تخيلوا لو أن فلسطينيين قاموا بالحفر في مقبرة داخل مستوطنة، واستخرجوا جثمانا يهوديا مقدسا.
إن إعادة إقامة مستوطنة «سانور» في شمال الضفة الغربية هي أبشع ما في هذه القصة. فهذه البقعة الجميلة من الأرض، بحقولها الخصبة وحدائق الخضراوات المزهرة، كانت المكان الوحيد الذي نجا من اقتلاع الأشجار والحرق والنهب.
كنا نعلم أن عودة «سانور» إلى الأرض المسروقة تعني نهاية هذه المنطقة المميزة والآسرة. لكننا لم نتخيل أن يبدأ المستوطنون اعتداءاتهم بفعل ينم عن هوس بالموتى.
لقد دُفن المتوفى في مكان آخر، وتعرض ذوو الفقيد لإهانة كاملة، ودِيست كرامة الميت بالأقدام. أما المستوطنون فاحتفلوا بـ«إنجاز» جديد. وكان الجيش الإسرائيلي، كعادته، شريكا كاملا في هذه الفضيحة. ويمكن الافتراض أن المستوطنين والجنود استمدوا كل متعة ممكنة من هذا الفعل: الحفر، واستخراج الجثة، ونقلها. تماما كما يحبون أن يفعلوا بالأهالي الأحياء أيضا.