النيوليبراليون والماركسيون العقائديون وجهان لعملة واحدة!
عبدالرحمن مصطفى
2026 / 5 / 11 - 04:56
العقائدية هي رؤية غير عقلية للواقع (منظور إيماني) تنطلق من منظور ذاتي وفلسفة ذاتية يتبناها صاحبها ويسقطها على الواقع ويبني العقائدي حججه في مختلف المواضيع بالاستناد على هذه الرؤية وهذا ما نجده لدى الماركسيين والليبراليين العقائديين، الخاصية الأهم التي تجمع كلا النظرتين العقائديتين ؛هي الرؤية الأخلاقية الصرفة للعالم بمعنى أن تقييم الأمور يستند أولًا وأخيرًا على رؤية أخلاقية قيمية للواقع دون رؤية الواقع كما ومع التحرر مع منظورنا القيمي الذاتي ،فعند الليبرالي نجد مثلًا رؤية ترتكز على الحقوق في محاكماته للتاريخ والواقع ؛فالاتحاد السوفيتي كان دولة شمولية نقطة وانتهى!. هذه الرؤية لا تعترف بالتاريخ ولا بالواقع الاجتماعي ،هي رؤية تنطلق من تقسيم العالم إلى ثنائيات الخير والشر ،فالحقوق (الفردية) تعلو على أي شيء ،الحكم على التجارب يخضع هنا لرؤية حقوقية ضيقة الأفق دون فهم أن الحقوق بدون القاعدة المادية التي تسندها تتحول إلى شعارات فارغة معلقة بالهواء.وهذا ما كان جليًا مثلُا بعد انتفاضات 2011 التي طالب فيها المحتجون بما انتهى إليه الغرب لا بما بدأ! ولهذا كانت النتائج كارثية ومروعة واستغلتها قوى عالمية كأمريكا لفرض أجندتها في المنطقة فضلًا عن القوى الإقليمية كالسعودية وإيران وتركيا .نفس الرؤية الحقوقية نجدها لدى الماركسي العقائدي الذي يُقيم الأمور من زاوية استغلال البروليتاريا دون رؤية الواقع كما هو لذا ينظر الماركسي العقائدي هنا إلى تجربة الصين مثلًا من زاوية أخلاق البروليتاريا الضيقة دون فهم لتوازنات القوى والظروف الجيوسياسية وغير ذلك .وطبعًا لا يعني هذا التبرير للاستبداد أو الاستغلال لكن الرؤية الحقوقية الأخلاقية المعلقة بالهواء ستفشل دومًا ،الواقع الموضوعي أقسى من تصوراتنا الحقوقية والأخلاقية وهذا ما لا يدركه العقائديون.الرؤية الجدلية تتجاوز منطق الثنائيات الضحل ،،فهي رؤية تربط بين المتناقضات.
العقائدية السياسية ليست حكرًا على مذهب سياسي -اجتماعي بعينه ؛بل هي ظاهرة تشترك فيها جميع المذاهب السياسية والاجتماعية ،و أحد أهم صفات المثقف العقائدي ؛تتمثل في الرفض التام لتطبيق أي معايير نقدية تاريخية على المذهب الذي يعتنقه .هذا ما نجده مثلًا لدى الماركسيين العقائديين وكذا النيوليبراليين ،رغم التعارض الظاهري بينهم ؛إلا أن هناك خصائص مشتركة تجمعهم ،تتمثل في رفض نقد مؤسسي المذاهب السياسية والاجتماعية لكلٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ من الماركسية والنيوليبرالية ،في النيوليبرالية نجد ذلك مثلًا مزخرفًا بعباءة التكنوقراط والعلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ،نراهم مثلًا يؤمنون بنموذج سياسي اقتصادي مُحدد والمتمثل باقتصاد السوق الحر والديمقراطية الليبرالية ،مع إيمانهم العقدي بحتمية تطبيق هذا النموذج في أي دولة في العالم بصرف النظر عن الظروف والمرحلة التنموية التي يمر بها المجتمع،التطبيق العشوائي للديمقراطية في دول لم تمر بالمراحل السياسية والاجتماعية التي مر بها الغرب تثبت ذلك أو استيراد نماذج من الديمقراطية جاهزة كالانتخابات في ظل هيمنة نظم قمعية تابعة .و مع الماركسية نجد هناك إيمان عقائدي بصحة كتابات كارل ماركس عن الرأسمالية في أوروبا القرن التاسع عشر ،ورغم أن ماركس حلل الرأسمالية من منظور تاريخي ،و مع رفضه لفكرة أزلية اقتصاد السوق كما نجدها لدى الاقتصاديين الكلاسيكيين الأوائل والنيوكلاسيكيين المعاصرين إلا أنه تم تحويل أفكاره إلى عقيدة.الماركسيون العقائديون لا يُطبقون المادية التاريخية على الماركسية ذاتها كمذهب وعلى فكر كارل ماركس خصوصًا ،هناك إيمان عقائدي بصحة القوانين التي وضعها ماركس في كتابه رأس المال عن النظام الرأسمالي.
ماركس اعتبر مثلًا؛ أن قانون ميل معدل الأرباح إلى الهبوط هو بمثابة القانون الحديدي الذي يُرافق الرأسمالية أينما وُجدت ، ورغم وجود عوائق قد تؤخر تحققه ؛إلا أن الرأسمالية على المدى الطويل ستسير بهذا الاتجاه وقوى السوق العمياء ستتخطى كافة العوامل المعيقة لتحقق القانون.هذه النظرة الميكانيكية هي مماثلة لرؤية آدم سميث أو الاقتصاديين النيوكلاسيكيين ؛على اعتبار أن اقتصاد السوق والمنافسة السعرية بين الشركات وتفاعل العرض والطلب هي من الخصائص الدائمة للاقتصاد الرأسمالي.لكن أليست قوانين الرأسمالية تاريخية؟ بمعنى أنها مرحلية وتخضع للظروف الاجتماعية والمؤسسية والسياسية بشكل عام .قوى الإنتاج بمفهومها الاقتصادي الضيق نجدها تتقدم على السياسة وصراع الأمم والمؤسسات والطبقات لدى الماركسي العقائدي وهذه رؤية مُزيفة ،لأن البشر يُشكلون تاريخهم حتى لو كانت النتائج بغير ما ابتغوه ،قانون القيمة وميل معدل الأرباح للهبوط لا يختلفان بشيء عن فكرة آدم سميث باليد الخفية للسوق ،أو توازن السوق لدى الاقتصاديين المعاصرين ؛هي رؤية سكونية لا تعكس الواقع التاريخي والتعقيدات الاجتماعية .
الصراعات السياسية والاجتماعية تُساهم في تشكيل قوى الإنتاج أيضًا ،العلاقة هنا ليست علاقة خطية ،الرأسمالية لا تعمل وفقًا لقانون القيمة الماركسي هي أعقد بكثير و أكثر مرونة من قانون القيمة بصيغته الماركسية.الرأسمالية ليست مُجرد اقتصاد معزول عن أبعاده السياسية والاجتماعية،الفاعلون السياسيون والاجتماعيون في الرأسمالية يُحددون مسارها ،بمعنى أن الدول والقوميات والطبقات والمؤسسات والشركات تلعب دورًا في تحديد مسار الرأسمالية ،لذلك نجد أن هناك اختلافات بين الدول في شكل الاقتصاد الرأسمالي بين دولة وأخرى .قانون القيمة بصيغته الماركسية يُقدم تصورًا لا تاريخيًا للرأسمالية ؛فوفقًا لهذا القانون السوق يتحكم في سلوك الشركات ورجال الأعمال بشكل عشوائي ،فالرأسمالي يبحث عن الربح ويتدافع الرأسماليون للاستثمار في القطاعات المُربحة ثم يرتفع عرض السلع في هذه القطاعات وتنخفض معدلات الأرباح فيها فيُحرك الرأسماليون أرباحهم من هذا القطاع إلى قطاعات أخرى وتتكرر العملية ،في هذا التصور تغيب حقيقة أن رجال الأعمال أو الرأسمالي يستطيع بنفسه أن يخلق السوق ويمتلك المزايا التنافسية التي تُحصن موقعه ،أي أنه يستطيع أن يبتكر سلعة جديدة أو إضافات محددة لسلعة موجودة وهذه السلعة أو الإضافات ستجذب المستهلكين إليها ،وبواسطة هذه العملية يستطيع أن يؤمن الرأسمالي أو رجل الأعمال موقعًا احتكاريًا في السوق .
الرأسمالي أو رجل الأعمال لا يكتفي بالتكيف بقواعد اللعبة الموجودة أو يكتفي بالتكيف مع السوق ؛بل يُساهم أيضًا في تشكيل السوق بالابتكارات الجديدة ،جوزيف شومبيتر الاقتصادي النمساوي فهم هذه العملية بصورة أعمق من نظرية القيمة الماركسية أو نظرية توازن السوق في الاقتصاد النيوكلاسيكي المعاصر الذي يُدرس في الجامعات .نعم الكثير من رجال الأعمال يكتفون بما هو موجود ويتكيفون مع السوق دون أن يضيفوا أو يخلقوا مزايا تنافسية لشركاتهم أو مؤسساتهم وهؤلاء معرضون للمنافسة والخروج من السوق ،لأن هناك الكثير من رجال الأعمال المنخرطين في الأنشطة الموجودة دون أن يضيفوا شيئًا جديدًا .وبالطبع الابتكار في الرأسمالية أعقد من النظرية السطحية التي تعتبر أن الابتكارات نتاج حصري للعبقرية الفردية ،في الحقيقة الدولة والإنفاق الحكومي من أهم العناصر في خلق الابتكارات والاختراعات في تاريخ الرأسمالية وهذا موضوع آخر طبعًا.
ماركس لم يُحلل دور الدولة والمؤسسات السياسية والاجتماعية وتأثيرها على الاقتصاد الرأسمالي ،وربما هذا كان نتاجًا لظروف عصره ،لكن الماركسيين الذين عاصروا الانقلابات والثورات المؤسساتية والاجتماعية التي طرأت على الاقتصاد الرأسمالي ؛هم مُلامون طبعًا على تمسكهم بالمذهب الاقتصادي الذي وضعه ماركس.
ما بقي من مذهب ماركس الاجتماعي والاقتصادي ؛ليس قانون القيمة بالضرورة ،بل كشفه للصراع المُحتم بين قوى الإنتاج ومستوى تطورها في المجتمع مع علاقات الإنتاج السائدة وأثر ذلك على النظام الاجتماعي والسياسي القائم ،أي العلاقة الجدلية بين مستوى التطور التقني في المجتمع مع العلاقات الاجتماعية من علاقات مُلكية وشكل السلطة الاجتماعية والسياسية في المجتمع.مثل هذا الصراع هو ما يُفسر الكثير من الثورات الاجتماعية والسياسية في التاريخ الحديث .ليس كل الثورات بالطبع ،لأن هناك ثورات حدثت لأسباب تتعلق بانحطاط المجتمع وانهيار اقتصاده لا من تطور الإنتاج إلى ظهور طبقة وسطى جديدة.أما قانون القيمة فلا يعكس درجة تعقيد الاقتصاد الرأسمالي المُعاصر.نعم العمل هو مصدر القيمة لكن هناك فرق بين هذه الحقيقة البسيطة التي تُجسد دور العلاقات الاجتماعية في قيمة السلع ووجود النقد وغير ذلك وأن نقول بأن هناك قانون للاقتصاد الرأسمالي يعمل بواسطته مهما تبدلت الظروف وتغيرت النظم الاجتماعية والسياسية .قانون القيمة هنا لا يختلف عن اليد الخفية عند آدم سميث أو توازن السوق عند الاقتصاديين النيوكلاسيكيين (البرجوازيين باللغة الماركسية).هذه المسألة يترتب عليها عدة إشكالات على المذهب الماركسي ؛أن التحليل الماركسي الاقتصادي للرأسمالية ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا ،بل قد يكون مضللًا ومخادعًا ،فالتنبؤ الماركسي بانحدار الرأسمالية بالاعتماد على قانون ميل معدل الأرباح للهبوط لن يكون صحيحًا أو واقعيًا في ظل التطورات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها الرأسمالية من مطلع القرن العشرين.
الإيمان بأن هناك تناقضات ثابتة في الرأسمالية هو إيمان وهمي يتناقض مع الصيغ المتنوعة التي جسدتها الرأسمالية في مختلف دول العالم ،أي ليس هناك نوع واحد من الرأسمالية ،هناك عدة أنواع من الاقتصاد الرأسمالي ولكل نوع هناك تناقضات معينة.نعم هناك تناقضات في الرأسمالية وأزمات ،لكن هذه التناقضات والأزمات في القرن الواحد العشرين ليست هي نفس تناقضات وأزمات الرأسمالية في عصر كارل ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.منهج ماركس الجدلي يصلح لفهم تطور الاقتصاد الرأسمالي لا قانون القيمة بحد ذاته والذي يعكس نظرة اقتصادوية ضيقة تعتمد على فصل الاقتصاد عن السياسة والتاريخ والاجتماع تمامًا كما نجد ذلك في علم الاقتصاد الأكاديمي الذي يفصل بين ما لا يمكن الفصل فيه أي بين الاقتصاد والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع.وأنا هنا أقصد استخدام قانون القيمة تفسير ديناميكية الرأسمالية
غير ذلك ينطبق مبدأ كارل بوبر على القانون الماركسي المتعلق بهبوط معدل الأرباح ،أي أن هذا القانون إذا لم يتحقق ؛سيتنطع الماركسي للادعاء بأن عدم تحققه هو ظاهرة مؤقتة أو أن القانون يسري على النظام ككل ،وهو ما لا يمكن دحضه ؛فليس هناك قياس شامل لمعدل الأرباح على مستوى النظام الرأسمالي ككل.وحتى مع ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال لا أحد يملك دليل أن زيادة عدد الآلات في المصنع أو زيادة نسبة رأس المال الثابت إلى العمل ؛يُترجم إلى ارتفاع في قيمة رأس المال الثابت ذاته. نفس الشيء نجد أن قاعدة كارل بوبر تنطبق على الفكرة التي نجدها في علم الاقتصاد الأكاديمي المعاصر ؛المتمثلة بقدرة الأسواق على تصحيح ذاتها .فرغم ثبوت بطلان هذه الفكرة إلا أن الاقتصاديين يتجنبون مواجهة هذه الحقيقة ويحاولون أن يعزو الأسباب إلى صدمات خارجية ،بينما أزمات الرأسمالية هي أزمات داخلية صرفة.
الفكر العقائدي ؛نجده حاضرًا لدى الماركسي والليبرالي ،نجد أن هناك مسلمات مُسبقة لكل طرف ،الفكر يسبق الواقع لدى الماركسي العقائدي وكذلك الليبرالي العقائدي ،الفكر لا يعكس الواقع هنا ؛فقط يقولبه ويؤطره أيديولوجيًا .لدى الليبرالي نجد سردية عقائدية محددة عن الاقتصاد الحر والديمقراطية الليبرالية والنظر إلى العالم من زاوية حقوقية أخلاقية بحتة ليس لها علاقة بالتاريخ والظروف الاجتماعية وغير ذلك ،ولدى الماركسي أيضًا هناك فهم عقائدي للنظام الرأسمالي ؛لا يخرج هذا الفهم عن المسلمات التي وضعها ماركس عن الرأسمالية البريطانية في القرن التاسع عشر!.هناك رؤية عقائدية في كلا الفلسفتين ؛هذه الرؤية العقائدية هي رؤية أخلاقية وقيمية لما ينبغي أن تكون عليه الأمور لا رؤية واقعية لما هي عليه الأمور بالفعل ؛الماركسي ينطلق من أجقية البروليتاريا في الإنتاج والثروة ويقيس الأمور على ذلك وانتصار البروليتاريا لديه هو العامل الحاسم في نجاة الجنس البشري وانقاذ الحضارة من فوضى الرأسمالية ،والليبرالية ينطلق من زاوية أخلاقية فردية حقوقية ضيقة لا تلقي بالًا للتناقضات والصراعات وأنه ليس هناك خير مطلق وشر مطلق ،في الرؤية الماركسية (العقائدية) والليبرالية (العقائدية) هناك رؤية مانوية للتاريخ والواقع ،هناك خير مطلق وشر مطلق ،وهناك نظام ناجح وأكثر توافقًا مع الطبيعة البشرية أو المرحلة التاريخية التي وصلتها البشرية ،وعلى الجانب الآخر هناك نظام فاشل بصورة مطلقة يقف عائقًا أمام تحرر الجنس البشري!.