رواية ظل حالم على رمال التيه / حلقة اولى + مقدمة المؤلف
أمين أحمد ثابت
2026 / 5 / 9 - 18:16
مقدمة المؤلف
أزعم أنني أحاول أن اقدم انتاجا ادبيا ابداعيا مبتكرا جديدا في لون كتابة الرواية ، والذي اعرفه تسمية ب ’رواية الظل الواحد’ أو ’الرواية الاقصوصة’ ، وهو نصا روائيا معقدا في بنيته المضمونية والتخيلية ، بينما يعلم بلغة بسيطة توليدية لمجرى اتساقي العبارات في البناء الاسلوبي المتدفق للصور الفنية . . التي تبدو للوهلة الأولى – سطحيا – وكأنها صياغات تكرر ذاتها على طول مسار النص .
ببساطة ، يمكننا القول أن تجريبيتنا في كتابة هذا النص الابتكاري للرواية – الذي نتمناه أن نكون قد وفقنا فيه . . رغم ادراكنا بنشوب عديد غير قليل من ادعياء النقد الادبي والروائي تحديدا بالهجوم علينا واتهام نصنا بلا انتمائه للنص الروائي – ومن لا يدركون في توهمهم أن طابع العمل الروائي عن غيره من الوان الادب وخاصة القصة القصيرة المطولة أنه مهما طورت الأساليب إلا انها لا تخرج من احتواء النص لحجمه الكبير في عدد الصفحات السردية ، وفي كثرة الشخوص والاحداث ومتلونات المنعكسات عن المجتمع وحسيات العلاقات والعيش الملموس في متحرك موضوع النص ، هذا غير كثرة المونولوج والديالوجات الحوارية وكثرة متعدد ضمير المتحدث في النص الروائي بين الضمير الحاضر في الشخوص الحية في النص او ضمير الراوي الحكوي او المجرد غير المباشر – وكل ما سبق من تقعيد الأسس لبناء النص الروائي نعتقد جازمين بأنها لم تعد ذاتها شكلا على صعيد البناء الاسلوبي الكلامي ، وإن صارت تتخذ نفسها كأسس تقعيديه على صعيد المضمون المتعدد المتخذ طابعا متشظيا بتشظي مكونات تلاحق الصور الفنية الجزئية المنتجة في الأخير صورة فنية كلية لكلية النص اشبه بالمرآة المشرخة بعكسها للوجه الواحد بعدة وجوه ولم تتساقط اجزائها بعد على الأرض – هذا ويمكننا القول – زعما - إضافتنا لجديد في المنظور النقدي والفني لطابع النص الروائي المبتكر الذي نطرحه في روايتنا هذه "ظل حالم " ، وغيرها من رواياتي الجديدة الأخيرة ك "الشوفة" ، " سير متاهة في الفراغ" ، و "الزنزانة " وغيرها ، فكلها يمكن النظر اليها نقديا من زاوية الاستقراء الفني كمزيج بين مدرستين فنيتين اصيلتين في فن كتابة الرواية ، وهو مزيج خلطي النهج بين الواقعيتين النقدية والسحرية في البناء الروائي الفني ولكن بأسلوب اشد اقتصادا في الحجم اللغوي واكثر تكثيفا في متولدات الصور الفنية وتلك المتخلقات الماورائية لها كصور مجردة متخيلة متولدة عن سابقاتها الحسية الواردة في النص وذلك عند ذات القارئ .
المؤلف أمين احمد ثابت
الحلقة ( 1 )
كانت الصحراء تمتد أمامه بلا نهاية، كما لو أن الأرض بنفسها قد فتحت لتبتلع كل أثر للحياة - رمال ذهبية تتلاطم مع الريح، تصنع ستائر من غبار يلسع الوجه كالإبر - كان يمشي وحيدا ، يغرف من صمته شجاعة ، ومن حلمه وقودا يبقيه واقفا - لم يكن مجرد تائه يبحث عن ماء ؛ كان قلبه مثقلا بحلم أكبر من حدود جسده ،
حلم بإصلاح الناس ، البلد والروح البشرية التي أنهكتها الفوضى - لكن الصحراء لا ترحم الحالمين .
عند كل بزوغ شمس ، كانت بعض الظلال تتحرك في البعيد ، ذئاب جائعة تلمع عيونها تحت الضوء ، ثعابين تطفو على الرمل كما لو أنها خيول من سم ، وعقارب تختبئ بين التشققات كأنها أفكار سوء تنتظر لحظة ضعف - كان يسمع همسات الصحراء تحذره :
.......... هنا لا مكان للنوايا الطيبة… هنا البقاء للأقوى .
ورغم ذلك ، تابع السير ، ليال مرت بلا عدد ، وبدأت قدماه تنزف فوق الرمال الحارقة - لكن الحلم داخله كان يقوده كما يقود النجم زورقا ضائعا في حمى موج متلاطم تحت غطاء ليل شديد العتمة - وفي مساء بدا مختلفا عن كل الأمسيات ، حين وصل إلى أطراف الصحراء، إلى تلك الحافة التي يشعر عندها المرء أن العالم يتغير ، سمع ضجيجا مرعبا فجأة ، صليل سيوف ، صرخات ، جلبة كأن الأرض تقتتل مع نفسها - كأن الحياة كلها توشك على الانتهاء – توقف ، حاول أن يميز من يقاتل من ، لكن الغبار المعفر موضعهم كان كثيفا ، والسماء كانت محملة بوهج غريب - رفع رأسه ، وابتلع ريقه الجاف . . متسائلا مع نفسه :
......... هل هي حرب؟
، صراع بين بشر أم بين قوى لا ترى؟
هل يتعين عليه أن يتقدم ، أم أن يعود إلى حيث لا رجعة - لا يعرف - لكنه بقي واقفا عند حافة الصحراء ، حاملا حلمه ، وقلقه بين خطوة نحو المجهول ، وخطوة إلى الوراء حيث التيه – هناك ، بدأت النهاية لحقيقة وجوده الضائع ، أو ربما كانت بداية لشيء لم يفهمه القحطاني عبيد الحالم بعد .
الجزء الأول : الفصل الأول
( 1 )
حين تجدك حاملا لحنين في مجتمع لا يقبل تعايشك
تجد نفسك راحلا في رمال لا تنام
وينقطع عنك الزمن
لم يكن الرجل يعرف متى بدأ التيه يبتلع خطواته ، كل ما يتصوره أنه خرج من بيته في صباحٍ ساكن ، متكئا على حلم يشبه طفلا يحمل رسالة أثقل من يديه -
قالوا له . . لن تستطيع وحدك إصلاح الناس ، ولا البلد - لكنه ابتسم كما يفعل الحالمون دائما، ومضى.
كانت الصحراء قد رحبت به بوجهها القاسي ، سماء بلا حدود ، ورمال تنفخ حرارتها في الروح قبل الجسد - ظل يمشي بثبات رغم التعب ، كأن الأحلام تمنح أقداما إضافية عند الحاجة - لكن شيئا ما كان يراقبه ، ظلال حيوانات مفترسة تحوم في البعيد ، ذئاب تنصت لحركة الريح، وثعابين كأنها خيوط دخان سامة تنساب فوق الرمال، عقارب تشق باطن الأرض كلما اقترب منها - ورغم كل ذلك، لم يخف ، ان يعرف أن من يريد إصلاح المكسور ، عليه أن يعبر الصحراء ، سواء كانت المكان أو . . صحراء الناس .
هو انسان يشبه كل من قرأ الرواية قبل أن تكتب ، ويشبه كل من حلم يوما بعالم أفضل - كان يحفظ في ذاكرته وجوها من بلده ، طفل ينام على قارعة الطريق جوار امه الجائعة او في بيت الغرفة الواحدة الآيلة للسقوط على ضوء الشموع لأن الكهرباء لا تزوره ، أو تنتظر خبزا أقل ثمنا ، وشابا خسر عمره لأن الطرقات ضاقت بأحلامه - كل ذلك كان يدفعه نحو الأمام . . نحو صحراء تيه ، ترحل به الاقدار على رمال متغيرة الحرارة ، بين ليل ونهار قائض ، وبين عيون مرعبة تنتظر الافتراس وكيانات تتبدى عليه وحده مهددة بالانتقام و . . وأخرى تمد يدها للعون – يظل سائرا عابرا الفيافي والبحار . . منتظرا اقتراب النهاية أو أن تتبدى له البداية خارج هذا المسار .
كان قد وصل إلى حافة الصحراء ، لأول مرة شعر أن الحلم يثقل على كتفيه - كانت الرمال خلفه تمتد مثل سيرة حياة طويلة ، وأمامه عالم لا يعرف إن كان على قيد الحياة أم في الرمق الأخير منها - دوى انفجارات فجأة تعلن عن بدء الاحتراب -لم تكن اصواتا عابرة ؛ كانت صراعا يوقظ الموتى ، صرخات ، تصادم معادن ، صهيل خيول ثم . . فجوة صوتية كأن السماء انشطرت نصفين - اختبأ القحطاني عبيد خلف تلة رملية ، يحاول فهم ما يجري ، لكنه لم ير شيئا ، ما رآه غبارا كثيفا فقط يعصف ويملأ الفضاء بالدخال والتراب ، وغروبا يلطخ الأفق بلون الدم - هل يتقدم نحو القتال ، هل يعود للوراء ، هل يقف حتى ينجلي الغبار - لم يعرف ، وما لم يعرفه أكثر . . أن ما يجري عند حافة الصحراء . . سوف يغير حياته ، ويغير البلد الذي خرج منه – لكونه لم يعد قادرا على التحمل للأذى - ويغير معنى الحلم نفسه .