القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب


محسين الشهباني
2026 / 5 / 9 - 07:55     

بقلم: محسين الشهباني
القوى الظلامية ليست ظاهرة فكرية معزولة أو تعبيراً عن "تخلف" ثقافي، بل هي أداة أيديولوجية وسياسية في يد الطبقات السائدة. إنها جهاز وظيفي يُعاد إنتاجه باستمرار داخل البنية الفوقية للمجتمع التبعي، لخدمة علاقات الاستغلال القائمة وتأبيد سيطرة التحالف الطبقي الحاكم.
. الوظيفة الطبقية للرجعية الدينية في التشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية التبعية بالمغرب، تؤدي الرجعية الدينية دوراً مزدوجاً:
تطويع الوعي الطبقي للجماهير الكادحة:يتم ذلك عبر تحويل الدين من قيمة روحية إلى جهاز أيديولوجي للدولة. تُستعمل المساجد والزوايا والخطاب الغيبي لإعادة إنتاج الخرافة، وتقديس الماضي الإقطاعي، وشرعنة الاستبداد السياسي. فالحاكم يُقدَّم باعتباره "ظل الله في الأرض"، ويُفرض على الجماهير القبول بالفقر والاستغلال باعتباره "قدراً إلهياً". هذه هي وظيفة الإكليروس الحديث: إخضاع المنتجين المباشرين وربطهم بأوهام الخلاص الأخروي بدلاً من النضال لتغيير واقعهم المادي.
تفتيت وحدة النضال الطبقي اذ تُغذّي القوى الظلامية الصراعات الهوياتية الوهمية: سني/شيعي، إسلامي/علماني، متدين/ملحد. والهدف هو حجب التناقض الرئيسي في المجتمع، أي التناقض بين الكادحين من عمال وفلاحين فقراء وبين التحالف الطبقي الحاكم المكون من الكمبرادور والإقطاع والبيروقراطية المخزنية. كلما احتدم الصراع الطبقي، أخرجت الطبقات السائدة من جعبتها ورقة "الدين في خطر" لضرب وحدة الجماهير وتشتيت قواها.

الدولة المخزنية: جهاز قمع في خدمة الإمبريالية
النظام المخزني القائم ليس نظاماً "وطنياً" ولا "مستقلاً"، بل هو تعبير سياسي عن تحالف طبقي تابع للإمبريالية العالمية، وعلى رأسها الإمبريالية الفرنسية والأمريكية، ومرتبط عضوياً بالرجعية الخليجية.
هذا النظام يمارس ديكتاتورية الطبقات السائدة عبر:الجهاز الأيديولوجي من خلال مناهج تعليم رجعية، إعلام مأجور، مثقفون انتهازيون، وأحزاب دكاكينية، كلها تعمل على إعادة إنتاج وعي زائف لدى الجماهير.
الجهاز القمعي: جيش، شرطة، سجون، محاكم صورية، تُستعمل لسحق كل حركة جماهيرية راديكالية.
الوراثة السياسية: الملكية المطلقة كنظام للحكم الوراثي، تضمن استمرار سلطة التحالف الطبقي نفسه دون مساس بجوهر علاقات الإنتاج القائمة.

إن الانتخابات، والدساتير الممنوحة، والحكومات "المنتخبة"، ليست سوى أقنعة ديمقراطية زائفة لإخفاء جوهر الديكتاتورية. فالبرلمان لا يحكم، والحكومة لا تقرر، والقرار النهائي في يد النواة الصلبة للمافيا المخزنية.
تكتيك "الانفتاح" ودمج الإسلام السياسي

بعد انتفاضة 20 فبراير 2011، أدرك التحالف الطبقي الحاكم خطورة الوضع. فاستنجد بالإمبريالية والرجعية السعودية لفرض "انتقال ديمقراطي" شكلي. تم الدفع بحزب العدالة والتنمية إلى الحكومة لامتصاص الغضب الشعبي، وإيهام الجماهير بأن "التغيير ممكن من داخل المؤسسات".
بالتوازي، انسحبت جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير. هذه الخطوة لم تكن "تكتيكاً نضالياً"، بل كانت رسالة ولاء للنظام: "نحن قوة جماهيرية منظمة، لكننا لن نذهب بعيداً في المواجهة". والمقابل كان فتح المجال لها لتعمل بحرية نسبية، ولتُستعمل كفزاعة في وجه اليسار الجذري.
الحكومة الملتحية نفذت بدقة برنامج صندوق النقد الدولي: ضرب صندوق المقاصة، خوصصة التعليم والصحة، تفكيك أنظمة التقاعد، وتجريم الإضراب. كل ذلك دون المساس بثروات الكمبرادور أو امتيازات الجنرالات وكبار الموظفين. وهذا يبرهن على القانون الماركسي: المصالح الطبقية هي التي تحدد الموقف السياسي في النهاية، لا الشعارات الدينية.

انتهازية البرجوازية الصغرى: حزب النهج الديمقراطي العملي نموذجاً

إن القاعدة الاجتماعية لحزب النهج الديمقراطي العمالي ، شأنه شأن جماعة العدل والإحسان، هي البرجوازية الصغرى. وهذه الطبقة، بحكم موقعها المتذبذب بين البروليتاريا والبرجوازية، تحمل طبيعة مزدوجة: ثورية حين تُسحق، وانتهازية حين تُغرى بالمناصب.

رفع النهج شعار "بناء حزب الطبقة العاملة والجبهة الموحدة للتخلص من المخزن"، لكن ممارسته تكشف عن تراجع خطير. فبدلاً من بناء الحزب الثوري المستقل، يسعى إلى "حوار وطني" مع قوى الإسلام السياسي التي اغتالت مناضلي اليسار بدم بارد. هذا ليس "تكتيكاً مرناً"، بل هو تصفية للإرث النضالي للحركة الماركسية-اللينينية المغربية.

إن شعار "وحدة القوى الحية" يصبح شعاراً انتهازياً حين يُستخدم لتبرير التحالف مع جلادي الطبقة العاملة. فالمسألة ليست مسألة "حوار"، بل مسألة خط سياسي: هل نحن مع إسقاط النظام المخزني التبعي وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية على طريق الاشتراكية، أم نحن مع ترميم النظام عبر إشراك الإسلام السياسي في حكومته؟

التاريخ الدموي للقوى الظلامية: دروس الصراع الطبقي

إن تاريخ القوى الظلامية في المغرب مكتوب بدماء الشهداء الماركسيين-اللينينيين. وهذا ليس "ماضياً يجب تجاوزه"، بل هو قانون من قوانين الصراع الطبقي: الرجعية لا تتورع عن استخدام العنف الدموي لسحق الطليعة الثورية.

1. اغتيال عمر بن جلون 1975: نفذته الشبيبة الإسلامية، الذراع الضاربة للنظام، بأوامر من عبد الكريم مطيع. والهدف كان تصفية قيادي من منظمة "إلى الأمام" يفضح طبيعة النظام الطبقية.
2. اغتيال آيت الجيد بنعيسى 1993: قُتل تحت التعذيب على يد ميليشيات العدل والإحسان في الجامعة. والتهمة: "الزندقة والإلحاد". والحقيقة: كان قائداً طلابياً ماركسياً يفضح تحالف الظلاميين مع المخزن.
3. اغتيال المعطي بوملي 1991: اختُطف من قاعة الدرس، وحوكم في "محكمة شرعية" لطلبة العدل والإحسان، وقُطعت شرايينه حتى الموت. والجريمة: انتماؤه للطلبة القاعديين.

هذه الاغتيالات لم تكن "أخطاء أفراد"، بل كانت سياسة ممنهجة. فجماعة العدل والإحسان تأسست في السبعينات خصيصاً لمواجهة المد الماركسي-اللينيني. ومرشدها عبد السلام ياسين أعلنها صراحة في كتابه "الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية": لا أرضية مشتركة بيننا وبين الملحدين.
إن من يمد يده اليوم للقتلة بحجة "الواقعية السياسية" يخون دماء الشهداء، ويشرعن للإفلات من العقاب، ويهيئ الظروف لمجازر جديدة.
موقفنا الماركسي-اللينيني: في التناقضات والتحالفات
نحن نميز علمياً بين التناقضات:
1. التناقض الرئيسي: في المغرب هو التناقض بين جماهير الشعب الكادح وبين التحالف الطبقي الحاكم التابع للإمبريالية. هذا التناقض لا يُحل إلا بالثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.
2. التناقضات الثانوية: ومنها التناقض بين قوى الإسلام السياسي وبعض أجنحة النظام. هذا تناقض داخل المعسكر المعادي للشعب، ويجب استغلاله، لا الاندماج فيه.
إن التحالف مع العدل والإحسان بحجة "مواجهة المخزن" هو خطأ استراتيجي قاتل. لأنه:
يحجب التناقض الرئيسي: ويحول الصراع من صراع طبقي إلى صراع "ديمقراطيين ضد استبداد"، وهذا يخدم البرجوازية الليبرالية.
ينزع سلاح البروليتاريا أيديولوجياً: فكيف نقنع العامل والفلاح الفقير بأن عدوه الطبقي هو الكمبرادور، بينما نتحالف مع من يعتبر أن عدوه هو "الإلحاد" و"الشيوعية"؟
يُعيد إنتاج الوهم: وهم إمكانية "الإصلاح من داخل النظام" و"التغيير بالتوافق"، بينما أثبتت تجربة تونس ومصر أن الإسلام السياسي ينقلب على حلفائه فور وصوله إلى السلطة.

ما العمل؟
القطع الأيديولوجي والسياسي مع الانتهازية: يجب فضح التيار التحريفي داخل الحركة الماركسية الذي يرفع شعارات راديكالية ويمارس تحالفاً مع الرجعية. "الاشتراكيون الإسلاماويون" ليسوا حلفاء، بل هم العدو داخل الحركة الثورية.
بناء الحزب الماركسي-اللينيني: حزب الطبقة العاملة، المستقل تنظيمياً وأيديولوجياً، المرتكز على المادية الجدلية والمادية التاريخية. حزب لا يساوم على مبادئه، ولا يضعها على طاولة "الحوار الوطني".
النضال الجماهيري الطبقي: الواجهة الرئيسية للنضال هي الواجهة الاجتماعية. تأطير نضالات العمال والفلاحين الفقراء والطلبة والمعطلين، وربطها بالنضال السياسي ضد النظام القائم. فالثورة لا تُصنع في الندوات، بل في المعامل والحقول والشوارع.
فضح جوهر "الحوار": إن الحوار الذي تدعو إليه القوى الظلامية والتحريفية ليس حواراً من أجل التغيير، بل حوار لتقاسم السلطة داخل النظام القائم. شعارنا هو: لا حوار مع القتلة، لا مصالحة مع جلادي الطبقة العاملة.
إن النضال الطبقي هو القانون الموضوعي للتاريخ. ومهمة الماركسيين-اللينينيين هي تسليح الطبقة العاملة بالوعي الطبقي، وتنظيمها في حزبها الثوري، وقيادتها نحو إسقاط النظام القائم العميل، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية كمرحلة على طريق الاشتراكية.
وكل من يعتقد أن التحالف مع القوى الظلامية "تكتيك" يفرضه الواقع، إنما يرتكب خيانة طبقية، ويعيد قتل الشهداء مرة ثانية.
لا تصالح!
لا تنازل عن دم الشهداء!
الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية هي الحل!