لا نحتاج إلى قادة جدد لذات النظام الفاسد بل نحتاج إلى نظام مغاير جوهريّا


شادي الشماوي
2026 / 5 / 8 - 15:55     

المجموعة الشيوعيّة الثورية ، كولمبيا ؛ 29 أفريل 2026
Comrev.co / @ComRevCo

أجل ، ولدت الرأسماليّة في هذا العالم و الدماء و الطين من كلّ مسامها ، لكن هذا النزيف الشديد للمراكمة الأوّليّة يتكرّر في بعض اللحظات التاريخيّة ، خاصة في لحظات أزمات خطيرة للمراكمة كما هو الحال الآن .
و الرأسماليّة ، التي تطوّرت في هذا العصر إلى نظام إقتصادي إجتماعي عالمي – الإمبرياليّة ، بالإستناد إلى إستغلال و إضطهاد آلاف ملايين الناس ، لا سيما في ما يسمّى بالعالم الثالث – و ليست السبب الجوهري لمعاناة الغالبيّة العظمى من الإنسانيّة و الوضع الإستعجالي للبيئة حاليّا ( تزداد خطورته بفعل فوضى الإنتاج الرأسمالي و المنافسة الشرسى من اجل الأرباح المستخرجة من الوقود الأحفوريّ ) فحسب بل كذلك في النزاع الكامن بين القوى الإمبرياليّة ، يفضى الآن بالعالم إلى حافة الهاوية ، مع خطر ( لا يعنى يقينا أو تنبّؤا ) تصاعد النزاعات بين الإمبرياليّين قد تؤدّي ضمن ما قد تؤدّي إليه إلى حرب نوويّة .
و العالم اليوم أكثر إندماجا في نظام عالمي موحّد ، و ما يحدث في منطقة جغرافيّة سياسيّة مفتاح ، مثل الشرق الأوسط ، يمكن أن يكون أكثر تحديدا لبقيّة الكوكب من عديد التناقضات أو المسائل " الداخليّة " لكلّ بلد أو منطقة . لقد تشكّلت الولايات المتّحدة كقوّة عظمى مهيمنة بلا منازع على مستواها منذ أكثر من ثلاثة عقود [ عقب إنهيار الإتّحاد السوفياتي ]، إلاّ أنّها في السنوات الأخيرة واجهت رهانات حقيقيّة على هيمنتها ، بما في ذلك التحدّي المتنامي للصين التي هي أيضا رأسماليّة – إمبرياليّة تسعي إلى التحوّل إلى القوّة المهيمنة الرئيسيّة .
و إزاء إنهيار الولايات المتّحدة ، تعمل الفئة الأكثر رجعيّة من الطبقة الإمبرياليّة السائدة في الولايات المتّحدة على " جعل أمريكا عظيمة من جديد " بواسطة شكل فاشيّ من الحكم قائم على تفوّق البيض و الذكور ، و رهاب الأجانب و الأصوليّة المسيحيّة و الإستخفاف بالعلم و التدمير الشرس للوسط البيئي ، و تمزيق حكم القانون و الحفاظ على دور المعتدي الوحشي ضد شعوب العالم ، لكن الآن بوجه عار أكثر ، و لتجنّب تداعي نفوذها العالمي – و لتعزيز " مجالها الحيويّ " ( مجال النفوذ الحيوي بالنسبة إلى النازيّين ) – يتعيّن عليها ترسيخ هيمنتها على الشرق الأوسط و أمريكا اللاتينيّة .
و هعدف هذه الإستراتيجيا هو إعادة دمج أو دمج أتمّ لإيران ( و أمريكا اللاتينيّة ) في الإطار الاقتصادي و السياسي و العسكري و الأمني تحت سيطرة حكومة الولايات المتّحدة ، متجنّبة هكذا تبعيّتها التامة لإمبرياليّي الصين و روسيا . و مع ذلك ، المحرّك الكامن ( أو الاقتصادي ) لهذه الحرب هو أزمة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي تسبّبت رأسماليّة – إمبرياليّة الولايات المتّحدة بوجه خاص في تفاقمها .
في هذا الإطار شنّت امبرياليّة الولايات المتّحدة بمعيّة إسرائيل ( إلى جانب الإبادة الجماعيّة في فلسطين ) الحرب الراهنة ضد إيران ، و إعتدت على بلدان مثل فنزويلا و خنقت كوبا أو هدّدت ( ليس بالعقوبات فحسب و إنّما بالحرب ) كولمبيا و المكسيك و عديد البلدان الأخرى . و تهديدات ترامب ب " تفجير كلّ شيء و الإبقاء على النفط فقط " و تدمير حضارة بأكملها في ليلة واحدة يجب أخذها على محمل الجدّ . و قد أغضبوا و بثّوا القلق في صفوف الكثير من الناس لكن ليس بالمستوى و العمق و في الإتّجاه ( بالمعنيين ؛ القيادة و التوجّه ) الضروريّين لإيقاف الحرب و فسح المجال للثورة التي هي السبيل الوحيد الذى يمكن أن يضع نهاية لكافة الحروب التدميريّة للنظام الرأسمالي – الإمبريالي .
لقد أثّر صعود الفاشيّة في الولايات المتّحدة على العالم ليس فقط بالحرب المباشرة و إنّما أيضا بالإبتزاز التجاري و التهديدات بالعدوان العسكري لفرض ترسيخ أو توطيد الأنظمة التابعة لإمبرياليّة الولايات المتّحدة ، و بالأخصّ في المنطقة : بعد الهندوراس و الأرجنتين و الشيلي و كولمبيا ( ماي ) و البرازيل ( أكتوبر ) . و في حال كولمبيا ، وسط إستعراض القوّة الأكثر سفورا للمافيا و العشائر المناطقيّة الناجمة عن تلاقح الطبقة السائدة القديمة مع القوى الصاعدة – تهريب السلع و التجارة بالمخدّرات و التجارة بالبشر ، و الإبتزاز، و إستخراج المواد المنجميّة بطريقة " لاقانويّة " و تبييض الأموال – الجوّ السياسي في البلاد يتميّز بإستقطاب كبير بين " اليمين " الفاشيّ و " اليسار " عموما الليبرالي – الديمقراطي الإشتراكي.
و اليمين الفاشيّ يلعب لعبتين محاولا تلمّس أيّهما يمكن أن يكون أكثر فائدة بالنسبة له : فمن جهة ، يسعى إلى تبنّى ذات البرنامج الرجعي التقليدي لأوريباتو بوجه " أكثر جاذبيّة " ، و من الجهة الأخرى ، يروّج لبرنامج يشجّع على السياسات الفاشيّة لترامب و ميلي أو بوكيلي ، مدافعا عن العنف السافر ، و الشعبويّة العقابيّة ، و هو مستعدّ لتجاوز كلّ " سيرورة قانونيّة لازمة " و تجاوز دولة القانون .
و " إنفجار " الغضب الذى ظهر عقب أزيد من ثماني سنوات من أوريباتو ، و ثماني سنوات أخرى من حكومات " عينها أوريباتو " ، يعكس سخط فئات عريضة من الشعب على الإستبداد ، و القمع المنهجي و لجنة و تبرير جرائم ضد الشعب على غرار قتل آلاف الشبّان الذى تمّ تمريره على أنّه قتلى في معركة ، " تحاليل إيجابيّة مفبركة " وأخذ في النموّ التطلّع إلى تغييرات سياسيّة . و جزء كبير من هذا السخط وقع توجيهه إلى إنتخاب بترو الذى تقدّم على أنّه أوّل حكومة " تقدّميّة" أو " يساريّة " أمام البلاد . ومع نهاية فترة الحكم ، وقع تمجيد بعض الإصلاحات (جزئيّا إيجابيّة لكنّها على نطاق ضيّق )، و التأكيد على أنّ " أربع سنوات غير كافية " أو أنّ " حكومة التغيير " لم تتمكّن من تحقيق التغييرات التي وعدت بها " لأنّه لم يترك لها المجال لفعل ذلك " ، كلّ هذا أفضى إلى أنّ فئة هامة الآن من العمّال المنظّمين (على أساس مصالحهم الشخصيّة)علّقت آمالها و آمال قسم هام من المجتمع أكثر بكثير على الحفاظ على السلطة السياسيّة ( على مستوي حيوي إلى حدّ ما ) للقوى المنعوتة ب " يسار " لعبت دورا في الحيلولة دون التعبأة للثورة التي صارت في كلّ مرّة ضروريّة ( و ممكنة ) أكثر من ذي قبل .
و بالرغم من العمل الإيديولوجي لليمين الباحث عن دقّ ناقوس الخطر مؤكّدا أنّ حكومة بترو ستضع نهاية ل " الملكيّة الخاصة " و ستدمّر الاقتصاد و سترفض تسليم السلطة مع نهاية فترة حكمها ، فإنّ ذات حكومة بترو تولّت بيان أنّها لا تنوي ( و لا تستطيع ) لمس أسس النظام الرأسمالي القائم في كولمبيا . و مع أنّه من غير الأكيد أن يكون اليمين الفاشيّ و يسار بترو ( الآن سيبيدا ) متشابهين تماما ، فإنّهما فئتان من النظام ذاته ، و الإختلافات بينهما طفيفة . و رغم أنّهما ليسا الشيء نفسه فإنّهما يعملان للغاية نفسها . كلاهما فئتان رأسماليّتان . يقول سيبيدا إنّه يدافع عن برنامج " رأسماليّة منتجة متنوّعة " يطبّق سياسات عدالة و مساواة إجتماعييّتين ؛ و إختلافاته مع الطبقات المهيمنة التقليديّة ليست بعيدة جدّا عن الإخلافات التي رأيناها قبل قرن من الزمن صلب الطبقات السائدة الكولمبيّة بين ليبراليّين و محافظين . كلّ رأسماليّة تحتاج إلى أن تعتمد على إستغلال و إضطهاد غالبيّة الشغّالين .
و مع تقديم يسار بترو و سيبيدا نفسه على أنّه مناهض لما هو سائد فإنّه أوضح أنّهم ليسوا ضد النظام و إنّما ضد الذين لا يتركوهم يشاركون في النظام . و مشروعه السياسي لا يمضى إلى اليسار أبعد من ليبراليّة نهايات القرن التاسع عشر لآكيلايو بارا أو أوريبي أوريبي ، و لا ليبراليّة بدايات القرن التاسع عشر مثل لوباز بوماريخو ( بأفكار ألهمها إيّاهم نيوديل New Deal روزفالت في الولايات المتّحدة ) . فحكومة بترو رفعت راية النضال ضد " الإحتكارات الخاصة " و الكرتالات كراية مفتاح لحكمها ، و قدّمت ذلك كشيء " ثوريّ " ، إلاّ أنّ هذه السياسة لا تمضي إلى أبعد من الإصلاحيّة الليبراليّة لقانون شرمان لسنة 1890 و قانون كلايتن لسنة 1914 في الولايات المتّحدة ضد التروستات و الإحتكارات . و المعضلة السياسيّة الآن تُطرح بين المقترح اليميني للعودة إلى نقطة قبل هذا ، أو عدم المضيّ أبعد من الأطروحات الليبراليّة لقرن سابق .
و مع ذلك ، لا بدّ من التمييز بين القواعد و القادة ، لكن حسب خوض صراع أفكار في صفوف القواعد ، بما في ذلك ضد فهم مشوّه لدي الكثيرين من اليسار الذين يعتمدون في نظرتهم الدينيّة ل " دكتاتوريّة البروليتاريا " ( أنّه لا يقبل أيّ نوع من المعارضة ) ، و لا يُسمح بالنقد و إنّما لا تجري سوى المواجهة و تسليط العقوبات . و يختلف هذا راديكاليّا عن نوع المجتمع الجديد الذى نحتاج إلى تشييده و الذى يشجّع بنشاط على المعارضة و على جوّ من غليان الأفكار . و علاوة على ذلك ، و إنّه لإجرامي أن يقوم قادة هذا المسمّي " يسارا " بالترويج لوهم أنّه بواسطة مراكمة بطيئة من النضالات من أجل الإصلاحات ، يعني ، مع الإصلاحيّة كمنهج ، يمكن بلوغ مجتمع جديد حقّا ، حسب التغييرات المنسجمة مع المصالح الأكثر جوهريّة للجماهير الشعبيّة . لكن الأكيد هو أنّه بينما يظلّ هذا النظام قائما :
- لن تنتهي إهانة و نزع إنسانيّة و الإخضاع البطرياركي / الذكوري للنساء ؛
- لن يتوقّف تدمير البيئة ( و لن يكفّ النظر إلى الطبيعة كمصدر لمدّخرات لإستخراج الأرباح ) ؛
- لن يمكن معالجة نهائيّة و من الجذور للتفقير و البطالة و لا الجوع المتنامي الناجمين عنهما ، و لا الإنهيار المرير الأخلاقي و الفكريّ التي يحكم بها على الكثير من الناس لا سيما شباب الجماهير الشعبيّة ؛
- لن يوقفوا الحرب على الشعب و المجازر و نزوح القسريّ و تجريم الشباب ؛
- لن يضعوا حدّا للتمييز ضد و لإضطهاد شعوب السكّان الأصليّين و السود و العنصريّة و كره الأجانب المستخدمة لتبرير مشاكل أخرى على غرار البطالة و الفقر ؛
- سيواصلون خنق و قمع المعارضة و الفكر النقديّ و العلمي ، و الترويج لكلّ صنف من أصناف التطيّر ؛
- سنكون شهودا المرّة تلو المرّة على المزيد من الحروب و تعميق الهيمنة الإمبرياليّة و التبعيّة الغذائيّة للبلدان الرازحة تحت وطأة الإمبرياليّة / مثل كولمبيا .
وضع نهاية لهذه الإهانات نوع من التغيير نحن في أمسّ الحاجة إليه الآن ، لكن لا يمكن بلوغه دون الإطاحة بهذا النظام، و تشييد نظام مغاير كلّيا على أنقاضه ، يقوم على نمط إنتاج مختلف تماما لا تكون فيه القوّة المحرّكة السعي المحموم للحصول على أرباح و إنّما توضع في مصاف القيادة فكرة و ممارسة أنّ القدرات الإنسانيّة و الإنتاجيّة يجب أن تكون في خدمة مصالح الإنسانيّة و الكوكب . و لا يمكن فعل هذا إلاّ بواسطة ثورة فعليّة .
و لإعادة كلمات للقائد الثوري بوب أفاكيان ، تصبح الثورات ممكنة ، بالمعنى الأكثر جوهريّة ، نتيجة إحتدام تناقضات النظام الإضطهادي ... و آفاق الثورة ترتهن بدرجة كبيرة بما إذا كانت القوى الواعية لهذه الثورة تنجز إلى النهاية عملا و نضالا ثوريّين صريحين فحسب و إنّما أيضا تقرّ – و على هذا الأساس تتحرّك بجسارة و تصميم على أساس علميّ ، لإغتنام الفرص إلى أقصى الحدود – المنعرجات و الإلتواءات الحيويّة و الفرص النادرة .
إنّ الأزمة العميقة في المجتمع و عدم قدرة الطبقات السائدة على مواصلة الحكم كما كانت تحكم سابقا هي الظروف الضروريّة للثورة إلاّ أنّها غير كافية. هناك حاجة إلى شعب ثوريّ بالملايين يقطع مع الولاء لهذا النظام و قوّة منظّمة و متنامية الصفوف تستند إلى المقاربة الأرسخ علميّا لإنجاز الثورة . كلا العاملان متخلّفان و من الحيويّ تغييرهما : بواسطة النضال ضد النظام الإضطهادي و جرائمه ، و الصراع الإيديولوجي الذى يوسّع أفق الشعب إلى أبعد من حدود هذا النظام ، كاسبين بما في ذلك لفئات سلبيّة إلى الإعتراف بضرورة و إمكانيّة ثورة حقيقيّة .
إنّ العامل الذاتي ، القوى الشيوعيّة الثوريّة حقّا ، يعمل في هذا الإتّجاه ، معتمدا على المنهج العلمي للشيوعيّة الجديدة لبوب أفاكيان ، معدّا الشعب و مشكّلا حركة تتوصّل إلى إحتضان الملايين في " الإنفجارات " القادمة ، التي ستكون عندها ثوريّة.و المهمّة المركزيّة هي تغيير جوانب من الواقع الموضوعي من مثل ما يفكّر فيه الناس و تغيير ولاء فئات كالمثقّفين و مواجهة العراقيل القديمة لإعتبار الواقع الموضوعي " سيقدّم على طبق من ذهب " . المهام كثيرة و من الضروري أن ينضمّ المزيد فالمزيد من الناس إلى النضال الحقيقي ضد الإمبرياليّة و إلى الحركة من أجل الثورة التي هي الآن بصدد التكوين !
ضد الرأسماليّة – الإمبرياليّة التي تقيّد الإنسانيّة و تجبرها على السير نحو الكارثة : إنجاز ثورة راديكاليّة تحرّرنا من هذا الجنون ! هناك حاجة إلى ثورة ، لا شيء أقلّ من ذلك !
نحتاج و نطالب بثورة تمكّننا من نمط حياة جديد تماما و من نظام مغاير راديكاليّا !