الجماهير هي عماد الحزب الثوري


مرتضى العبيدي
2026 / 5 / 8 - 02:10     

يتطلب بناء حزب ثوري، كشرط أساسي، ارتباطه الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي بالجماهير العاملة والشعب. ليس هذا مجرد شعار خطابي أو معيار تكتيكي فحسب، بل هو ضرورة سياسية استراتيجية. فبالنسبة للماركسيين اللينينيين، إن المعنيين بالتحول التاريخي ليست أقلية مستنيرة أو مجموعة من القادة، بل الطبقة العاملة والأغلبية الشعبية العريضة. إنهم صناع التاريخ، والقوة المادية القادرة على تغيير المجتمع وتمهيد الطريق لنظام اجتماعي جديد.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم الحزب كهيكل منفصل عن الشعب أو متعالٍ عليه. فغايته الأساسية هي تنظيم وتوجيه وتمكين الطاقة التحويلية للجماهير. عندما ينأى الحزب بنفسه عنهم، وعندما يحل محل دورهم القيادي، يضعف سياسياً ويفقد طابعه الثوري. في المقابل، عندما يستند إلى التجربة المعيشية للعمال، وعندما يجمع مطالبهم، وعندما ينخرط في نضالاتهم ويسهم في رفع وعيهم، فإنه يتعزز ويؤدي دوره التاريخي.
إن التواصل الأيديولوجي مع الجماهير يعني، قبل كل شيء، أن الحزب لا يفرض مخططات منفصلة عن الواقع الملموس. بل ينطلق من الظروف المادية والتجارب الحقيقية للشعب، ومن ثم يعزز التثقيف السياسي وتنمية الوعي الطبقي. يجب ترجمة الأيديولوجية الماركسية اللينينية إلى توجيهات عملية للنضالات اليومية. التواصل الأيديولوجي يتضمن الاستماع إلى الفكر الشعبي وفهمه والانخراط في حوار معه، ومكافحة الأفكار الرجعية أو الإصلاحية التي تؤثر عليه، ومساعدة الجماهير على تحديد الأسباب الهيكلية لمشاكلهم.
يتجلى الانخراط السياسي من خلال مشاركة الحزب الفعّالة في النضالات الاجتماعية والعمالية والطلابية والفلاحية والمجتمعية. ولا يقتصر ذلك على تقديم الدعم الخارجي فحسب، بل يشمل أيضاً المشاركة الفعّالة في هذه العمليات، والمساهمة في تنظيمها وتوجيهها، والمساعدة في صياغة مطالبها المباشرة وربطها بأهداف استراتيجية. يجب أن يكون الحزب حاضراً حيثما يقاوم الشعب ويناضل: في النقابات، ومنظمات الفلاحين والطلاب والمعلمين، وفي جبهات الدفاع عن حقوق الإنسان، وغيرها. ويجب أن يسترشد هذا الحضور بخط سياسي واضح يسعى إلى بناء القوة، وتعزيز الوحدة الشعبية، ودفع التحولات الجذرية.
أما التكامل العضوي، من جانبه، فهو يستلزم وجود هياكل وآليات ملموسة تسمح بإقامة علاقة دائمة ومنهجية بين الحزب والجماهير. ولا تكفي إعلانات الدعم أو التدخلات المتقطعة. بل من الضروري بناء تنظيم في أماكن العمل، والمجتمعات المحلية، والمؤسسات التعليمية، ومختلف مجالات الحياة الاجتماعية. وللحزب منظمات جماهيرية ومنظمات سياسية واسعة النطاق يمارس من خلالها عمله. وتعمل هذه المنظمات كقنوات لنقل سياسة الحزب إلى الجماهير، كما تجمع همومهم واحتياجاتهم ومقترحاتهم، وتضعها في صميم الحزب لإثراء تحليله وخط عمله.
تُعدّ المنظمات الجماهيرية فضاءاتٍ للمشاركة والنضال والتثقيف، حيث يمكن لقطاعات واسعة من الشعب الانخراط فيها دون الحاجة إلى عضوية الحزب. ومن خلالها، تُبنى الوحدة، وتُطرح المطالب الملموسة، وتُطوّر الخبرات في التنظيم الجماعي. وفي هذه العملية، يُوجّه الحزب ويقترح ويناقش ويُسهم في التماسك، مع احترامه الدائم للديناميكيات الفريدة لكل منظمة، وتعزيزه للمشاركة الديمقراطية. والهدف الاستراتيجي من هذا الانخراط الشامل هو أن تضطلع الجماهير بدور سياسي بارز بشكل متزايد. يجب أن تكون الثورة نتيجة واعية للعمل المنظم للملايين. فعندما تُدرك الجماهير دورها التاريخي وتنظم نفسها لتحقيقه، تُصبح قوة لا تُقهر. لذلك، يجب على الحزب العمل باستمرار لضمان ألا يكون العمال والشعب مجرد متفرجين على السياسة، بل فاعلين أساسيين فيها.
إن تعزيز الفاعلية السياسية للجماهير يعني تشجيع مشاركتها في المداولات وصنع القرار وقيادة النضالات. ويعني الثقة بقدراتها الإبداعية ومبادراتها. كما يستلزم مكافحة العفوية والنزعة المحلية، ودمج النضالات الجزئية ضمن مشروع سياسي عام يهدف إلى التحويل البنيوي للمجتمع. باختصار، يُعدّ الارتباط الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي للحزب بالجماهير شرطًا أساسيًا لوجوده وفعاليته الثورية. فبدون هذه العلاقة الحية والدائمة، يُصبح الحزب مُعرّضًا لخطر التحوّل إلى بيروقراطية أو الانعزال. أما بوجودها، فيُصبح أداة حقيقية في يد الطبقة العاملة والشعب لتحقيق أهدافهم التاريخية. لذا، فإن المهمة الأساسية هي تعميق هذه الوحدة وتعزيزها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المشاركة الواعية للجماهير هي وحدها الكفيلة بتحقيق التحول الثوري للمجتمع.
صحيفة "الى الأمام"، العدد 2173، من 25 فيفري الى 03 مارس 2026