العمال المهاجرون في قلب المعركة من أجل العدالة الاجتماعية


جهاد عقل
2026 / 5 / 6 - 16:02     

*المنتدى الدولي للهجرة 2026 يضع العالم أمام اختبار: الحقوق أم الاستغلال؟
في عالمٍ تتسع فيه الفجوة بين الثروة والفقر، وتشتعل فيه الحروب والنزاعات والأزمات المناخية، لم تعد الهجرة مجرد “خيار فردي” يبحث من خلاله الإنسان عن فرصة أفضل، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لاختلال النظام الاقتصادي العالمي، ولسياسات تدفع ملايين البشر إلى مغادرة أوطانهم هرباً من البطالة والجوع والعنف وانعدام الأمان الاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية التقرير الذي أصدره الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) قبيل انعقاد المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة (IMRF 2026)،الذي يعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في الفترة من 5 إلى 8 مايو 2026، وسبقته جلسة استماع غير رسمية متعددة الأطراف في 4 مايو 2026.يأتي التقرير النقابي تحت عنوان:
"وضع حقوق العمال المهاجرين في صدارة المنتدى الدولي للهجرة 2026 – تضييق الفجوة بين الالتزامات والتنفيذ”.
التقرير لا يكتفي بتوصيف واقع العمال المهاجرين، بل يوجه اتهاماً واضحاً للنظام العالمي القائم، الذي يستفيد من قوة عمل المهاجرين، لكنه يرفض منحهم الحماية والحقوق نفسها التي يتمتع بها بقية العمال.

*العمال المهاجرون: العمود الفقري للاقتصاد العالمي
بحسب التقرير، بلغ عدد المهاجرين الدوليين عام 2022 حوالي 284.5 مليون شخص، بينهم نحو 167.7 مليون عامل مهاجر. هؤلاء ليسوا هامشاً اقتصادياً، بل جزء أساسي من دورة الإنتاج العالمية.
هم الذين يبنون المدن،ويعملون في الزراعة،وينقلون البضائع،ويرعون المرضى وكبار السن،وينظفون الفنادق والمصانع والمطارات.ورغم ذلك، يبقى العمال المهاجرون من أكثر الفئات تعرضاً:للاستغلال،وسرقة الأجور،والعمل القسري،والتمييز،والحرمان من التنظيم النقابي،والتهديد الدائم بالترحيل.أما النساء المهاجرات، فيواجهن طبقات مضاعفة من القهر: كنساء، وكعاملات، وكمهاجرات في آن واحد.

*الهجرة ليست أزمة… بل نتيجة لأزمة
أحد أهم ما يطرحه التقرير هو رفض التعامل مع الهجرة كـ "مشكلة أمنية"، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية واجتماعية ظالمة.فعندما ترتفع معدلات الفقر،وتتآكل الأجور،وتُخصخص الخدمات،وتُنهب الموارد،وتدمر الحروب والمناخ حياة المجتمعات،فإن الهجرة تتحول إلى وسيلة بقاء.
لذلك نجد أن التقرير يربط بوضوح بين التفاوت الهائل في توزيع الثروة،وانهيار الحماية الاجتماعية، والتغير المناخي،وصعود اليمين المتطرف،وتفاقم الهجرة القسرية.وهنا تكمن المفارقة الكبرى فإن النظام الاقتصادي نفسه الذي يدفع الناس للهجرة، هو نفسه الذي يستخدمهم لاحقاً كعمالة رخيصة بلا حقوق.

*أنظمة الهجرة الحديثة: إعادة إنتاج للاستغلال
يقدم التقرير نقداً حاداً لبرامج الهجرة المؤقتة وربط إقامة العامل بصاحب عمل واحد، معتبراً أن هذه الأنظمة تحوّل العامل إلى رهينة،وتمنع العمال من تغيير وظائفهم خوفاً من فقدان الإقامة أو الترحيل.
وهذا النموذج ليس بعيداً عن أنظمة الكفالة المعروفة في العديد من الدول، حيث يصبح العامل المهاجر عملياً تحت السيطرة الكاملة لصاحب العمل، بما يشبه ما نعرفه عن ظاهرة العبودية.
ويؤكد التقرير أيضاً أن العمال المهاجرين يجب أن يتمتعوا وبحق في تغيير صاحب العمل،والتنظيم النقابي،والوصول إلى العدالة،ولمّ شمل عائلاتهم،والحصول على إقامة مستقرة وآمنة.لأن العامل الذي يعيش تحت التهديد لا يستطيع الدفاع عن حقوقه.

*التوظيف يتحول إلى تجارة بالبشر
من أخطر ما يكشفه التقرير أن كثيراً من العمال المهاجرين يدفعون رسوم توظيف قد تعادل أجور 18 شهراً كاملاً فقط للحصول على فرصة عمل.وهذا يعني أن آلاف العمال يبدأون رحلتهم العملية وهم غارقون في الديون، ما يجعلهم فريسة سهلة لى أصحاب العمل ويجبرون على العمل القسري،والابتزاز،والاتجار بالبشر،وسرقة الأجور.لذلك يطالب الاتحاد الدولي للنقابات بإتخاذ قرارات صارمة من أجل حماية هؤلاء العمال مثل:منع تحميل العمال رسوم الاستقدام،وتنظيم شركات التوظيف،وفرض رقابة صارمة على وكالات التشغيل العابرة للحدود.فالعمل اللائق يبدأ من التوظيف العادل.

*لماذا تخاف الأنظمة من النقابات؟
التقرير يضع النقابات في قلب المعركة من أجل حقوق المهاجرين، لأن التنظيم النقابي هو السلاح الحقيقي ضد الاستغلال.ولهذا السبب بالذات، تسعى كثير من الحكومات وأصحاب العمل إلى القيام بمنع العمال المهاجرين من الانضمام للنقابات،أو عزلهم،أو استخدام أوضاعهم القانونية الهشة لإسكاتهم.لكن التجارب التي يعرضها التقرير — من كوريا الجنوبية والفلبين إلى ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا — تؤكد أن النقابات قادرة على القيام بتنظيم العمال المهاجرين،وتوفير الحماية القانونية لهم،ومكافحة الظواهر العنصرية، بل والى بناء تضامن طبقي عابر للحدود.وهنا تكمن الرسالة الأساسية للتقرير هي أن "الدفاع عن حقوق العمال المهاجرين ليس قضية إنسانية فقط، بل قضية طبقية بامتياز.لأن رأس المال يستخدم العمالة المهاجرة منخفضة الحقوق للضغط على أجور وحقوق جميع العمال.وعندما تُكسر حقوق المهاجرين، تُكسر تدريجياً حقوق الطبقة العاملة كلها”.

*صعود العنصرية… أداة لتقسيم العمال
يحذر التقرير من تصاعد الخطاب العنصري وكراهية الأجانب، خصوصاً مع صعود اليمين المتطرف في عدة دول. فالأنظمة التي تفشل في القيام بتوفير السكن،والتعليم،والعمل،والخدمات الاجتماعية،تحاول تحويل غضب الناس نحو المهاجرين بدل توجيهه نحو السياسات الاقتصادية التي صنعت الأزمة.وهكذا يتحول العامل المهاجر إلى "كبش فداء"، بينما تستمر الشركات الكبرى في تحقيق الأرباح.لذلك نجد أن التقرير يذكّر بأن العنصرية ليست مجرد خطاب كراهية ،بل أداة سياسية واقتصادية لتقسيم الطبقة العاملة وإضعاف التضامن النقابي بل وتنمية المظاهر العنصرية والفاشية.

*ما الذي يطالب به المنتدى الدولي للهجرة 2026؟
حدد التقرير تسع أولويات أساسية،لقيام المنتدى بتبنيها والعمل على تنفيذها أبرزها ، وضع حقوق العمال في مركز سياسات الهجرة،وضمان أجور معيشية عادلة،وتوفير الحماية بحق التنظيم النقابي،وتوفير الحماية الاجتماعية،وإنهاء العمل القسري ورسوم التوظيف،ومكافحة العنصرية، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة مثل الفقر والحروب والتغير المناخي. جميع هذه القضايا هامة، لكن السؤال الحقيقي المطروح يبقى:هل ستتحول هذه الالتزامات إلى سياسات فعلية؟ أم ستبقى مجرد بيانات دولية جديدة تُضاف إلى أرشيف الوعود غير المنفذة؟

*الهجرة والعدالة الاجتماعية: معركة واحدة
ما يطرحه التقرير بوضوح هو أن مستقبل حقوق العمال المهاجرين مرتبط مباشرة بمستقبل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في العالم.فإما عالم يقوم على الحقوق والمساواة والعمل اللائق والتضامن الإنساني،أو عالم تحكمه الحدود المغلقة، والعنصرية، والعمل الهش، والاستغلال، والخوف.
ولهذا فإن المعركة من أجل حقوق العمال المهاجرين ليست معركة تخص "الآخرين"، بل معركة كل عامل يخشى على أجره وكرامته ومستقبله. فالطبقة العاملة لا يمكن أن تنتصر وهي منقسمة بين "مواطن" و"مهاجر"، بين "محلي" و"أجنبي”.لذلك فإن العدالة لا تتجزأ.والحقوق لا يجب أن تتوقف عند الحدود.