حزب الله وإشكالية الخطاب السياسي في ظل الأزمات الداخلية والارتباطات الإقليمية
حسن خليل غريب
2026 / 5 / 4 - 08:48
المقدمة
يُعدّ خطاب حزب الله في لبنان أحد أبرز ملامح المشهد السياسي الراهن، إذ يجمع بين شعارات المقاومة والصمود في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وبين واقع داخلي مأزوم يثقل كاهل اللبنانيين بأزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة. هذا التناقض بين الشعار والمضمون يضع الحزب أمام معادلة معقدة: كيف يحافظ على هوية المقاومة من جهة، ويستجيب لمتطلبات الدولة والمجتمع من جهة أخرى؟ إن قراءة هذا الخطاب تكشف عن إشكالية مزدوجة، تتعلق بمدى قدرته على التعبير عن مصالح الداخل، وفي الوقت نفسه الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان.
في زمن الصراع الراهن، يواصل حزب الله في لبنان رفع شعار المقاومة والصمود في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، لكن مضمون خطابه السياسي يضع البلاد أمام معادلة معقدة: بين التمسك بالهوية القتالية من جهة، وتداعيات اجتماعية واقتصادية تثقل كاهل اللبنانيين من جهة أخرى.
في خطابات قياداته الأخيرة، شدد الحزب على أن "الخسائر البشرية هي ثمن شرعية المقاومة"، مؤكداً أن إسرائيل لم تحقق أهدافها. كما أعلن أنه لن يقف على الحياد إذا تعرضت إيران لعدوان، وهو موقف أثار جدلاً واسعاً حول ربط لبنان مباشرة بالصراع الإقليمي.
إن شعار الحزب يرفع قيم التضحية والرفض المطلق للحياد، لكن المضمون السياسي يترجم ذلك إلى مواقف عملية مثل رفض وقف إطلاق النار دون شروط، والتأكيد على امتلاك قرار الحرب والسلم. هذه الفجوة تطرح سؤالاً حول مدى قدرة الشعار على التعبير عن واقع اللبنانيين الذين يواجهون أزمة معيشية خانقة.
لقد قُوبل حزب الله بردود الفعل من مختلف الجهات، فالحلفاء التقليديون يرون في الخطاب ردعاً لإسرائيل وأميركا. بينما -الخصوم السياسيون يعتبرونه رهنًا للبنان لمصالح خارجية. وكذلك قوى كانت قريبة من الحزب بدأت تنتقد علناً، محذرة من إعادة تجربة "حرب الإسناد". وقد وصل النقد إلى البيئة الشعبية التي تُظهر علامات تململ، حيث تتقدم الأولويات المعيشية على الشعارات.
وخلاصة وإشارة إلى دلالات المرحلة، يعكس خطاب حزب الله اليوم تصعيداً سياسياً وعسكرياً، لكنه يواجه أزمة داخلية حول من يمتلك قرار الحرب والسلم، إضافة إلى تحولات اجتماعية تفرض إعادة صياغة الخطاب بما يتماشى مع الواقع المعيشي. وبين الشعار والمضمون، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الحزب الحفاظ على توازن بين هوية المقاومة ومتطلبات الدولة؟
وتقييماً للعوامل أعلاه، كيف يمكن النظر إلى إشكالية حزب الله وخطاب المقاومة؟
بين الشعار والواقع. فيمكن الوصول إلى النتائج التالية: خطاب حزب الله في لبنان اليوم يواجه أزمة مزدوجة. من جهة يرفع شعار المقاومة والصمود في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى يضع لبنان في قلب صراع إقليمي لا يملك أدواته الكاملة، فيما المجتمع اللبناني يئن تحت وطأة الانهيار الاقتصادي. هذه المفارقة تجعل من الشعار السياسي أداة للتعبئة أكثر مما هو انعكاس لمضمون سياسي واقعي.
إن التاريخ مليء بتجارب عالمية مشابهة. فيتنام واجهت الولايات المتحدة بخطاب المقاومة، لكنها أدركت أن الحرب الطويلة لا تُحسم بالشعارات بل باستنزاف الخصم حتى فرضت المفاوضات. جنوب إفريقيا رفعت شعار الحرية، لكنها حققت أهدافها عبر الضغط الدولي والمفاوضات لا عبر المواجهة العسكرية. هذه التجارب تقول بوضوح: الشعار وحده لا يكفي، والمضمون السياسي يجب أن يترجم إلى أدوات واقعية.
كما هو مليء بالتجارب العربية، كمثل الثورة الجزائرية التي نجحت لأنها جمعت بين المقاومة المسلحة والدعم الدولي، بينما القضية الفلسطينية كشفت أن الانقسام بين الشعار والمضمون يضعف الموقف السياسي. في كل هذه الحالات، عدم توازن القوى فرض حلولًا مركبة، تجمع بين المقاومة والتفاوض، بين التعبئة والبراغماتية.
وأما لبنان في المأزق الحالي، فإن حزب الله يكرر خطاب المقاومة، لكنه يربط لبنان مباشرة بإيران وصراعاتها، ما يثير جدلًا حول من يمتلك قرار الحرب والسلم. الفجوة بين الشعار والمضمون تتسع، والبيئة الشعبية بدأت تُظهر علامات تململ. هنا تكمن الخطورة: أن يتحول الشعار إلى عبء على الداخل بدل أن يكون رافعة سياسية.
حزب الله بين المقاومة والارتهان الإقليمي: قراءة نقدية في الهفوات الراهنة
منذ تأسيسه، قدّم حزب الله نفسه كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، مستنداً إلى خطاب التحرير والدفاع عن السيادة. غير أن التجربة اللبنانية خلال العقود الأخيرة تكشف أن هذه المقاومة لم تُترجم إلى مشروع وطني جامع، بل ارتبطت بشكل وثيق بمصالح إقليمية تتجاوز حدود لبنان، ما جعل الحزب في موقع متناقض مع المصلحة الوطنية العليا.
أولاً: الهفوات السياسية:
فقدت مقاومة حزب الله شرعيتها الداخلية بالصدام مع الدولة اللبنانية بعد أن وضع الحزب نفسه في مواجهة المؤسسات الشرعية، ما يضعف فكرة الدولة ويعزز منطق الدويلة داخل الدولة. وعانى من الانعزال الديبلوماسي. وبذلك أخرج الحزب نفسه من دائرة الشرعية الرسمية. وأكد أن خياراته لم تعد مقبولة داخلياً ولا خارجياً.
ثانياً: الهفوات العسكرية:
جرّ لبنان إلى مواجهة غير محسوبة: التصعيد العسكري الأخير مع إسرائيل جاء في وقت يعاني فيه البلد من انهيار اقتصادي واجتماعي، ما جعل كلفة الحرب على المدنيين باهظة وغير مبررة. وقد تجاهل الأولويات الوطنية: بدلاً من تعزيز الاستقرار الداخلي، اختار الحزب الانخراط في معارك مرتبطة بتطورات إقليمية، خصوصاً بعد مقتل المرشد الإيراني، ما يثبت أن قراراته العسكرية ليست نابعة من حسابات لبنانية بحتة.
ثالثاً: الهفوات الاجتماعية والاقتصادية:
إن تراجع الخدمات في شبكات الحزب الصحية والتعليمية مهددة بالانهيار بعد الحظر، ما يترك فراغاً اجتماعياً كبيراً دون بدائل حكومية جاهزة. وتآكل التأييد الشعبي: حتى داخل بيئته التقليدية، برزت أصوات تنتقد جدوى الدخول في حرب جديدة، معتبرة أن الحزب يتجاهل معاناة المدنيين ويضعهم في مواجهة نزوح ودمار جديد.
وباختصار، مقارنة بالتجارب الأخرى يمكن الوصول إلى النتائج التالية:
بينما نجحت حركات مقاومة في العالم بالتحول إلى أحزاب سياسية شرعية (مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا)، بقي حزب الله أسير منطق السلاح والارتباط الإقليمي. هذا الفشل في التحول السياسي يعكس أن المقاومة لم تكن مشروعاً وطنياً جامعاً، بل أداة ضمن استراتيجية إقليمية أوسع.
وباختصار، تكشف الهفوات الراهنة لحزب الله أن مقاومته لم تُبنَ على أساس المصلحة الوطنية اللبنانية، بل على مصالح إقليمية مرتبطة بمحاور خارجية. النتيجة هي بلد منهك اقتصادياً، ممزق سياسياً، ومعرّض دائماً لمغامرات عسكرية لا تخدم استقراره ولا مستقبل شعبه. إن أي مقاومة لا تنطلق من أولويات الداخل ولا تنتهي إلى بناء دولة قوية، تتحول إلى عبء على الوطن بدل أن تكون رافعة له.
فما هي الرؤية العملية المفترضة للوصول إلى الحل؟
في ظل عدم توازن القوى، لا يمكن للبنان أن يتحمل حربًا مفتوحة بلا نهاية. الحل يكمن في إعادة صياغة الخطاب السياسي ليوازن بين الهوية القتالية ومتطلبات الدولة والمجتمع. فالمقاومة قد تبقى شعارًا جامعًا، لكن المضمون يجب أن يفتح الباب أمام تسويات إقليمية ودولية تخفف من كلفة الصراع. من دون ذلك، سيبقى لبنان أسير شعارات لا تطعم جائعًا ولا تعالج أزمة.
في المحصلة، يظهر أن خطاب حزب الله اليوم يعيش أزمة مزدوجة: فهو يرفع شعار المقاومة كأداة للتعبئة، لكنه يواجه واقعاً داخلياً يفرض إعادة صياغة الأولويات. التجارب العالمية والعربية تؤكد أن الشعارات وحدها لا تكفي، وأن المضمون السياسي يجب أن يُترجم إلى أدوات واقعية تجمع بين المقاومة والبراغماتية. إن استمرار الفجوة بين الشعار والواقع يهدد بتحويل المقاومة من رافعة وطنية إلى عبء داخلي، ما يستدعي رؤية جديدة توازن بين الهوية القتالية ومتطلبات الدولة. وحده هذا التوازن يمكن أن يفتح الباب أمام حلول عملية تخفف من كلفة الصراع وتعيد للبنان دوره كدولة لا كساحة صراع إقليمي.