حين يُحاصَر العمال مالياً: ترامب وتمويل الفوضى وأزمة منظمة العمل الدولية وقيم الأول من أيار
جهاد عقل
2026 / 5 / 4 - 00:47
*مقدمة
كيف يُهدَّد نظام العمل العالمي من بوابة تجويع منظمة العمل الدولية؟
أصدر الإتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعة بياناً له عشية الأول من أيار يوم العمال العالمي ، بخصوص الأزمة المالية التي تجتاح منظمة العمل الدولية وإمتناع الولايات المتحدة الأمريكية والبعض من الدول عن تسديد اشتراكاتهم المالية للمنظمة مما جاء فيه:"منظمة العمل الدولية تواجه أزمة مالية غير مسبوقة: حقوق العمال على المحك
تواجه منظمة العمل الدولية،أسوأ أزمة مالية في تاريخها الحديث. فالولايات المتحدة لم تسدد مساهماتها منذ عام 2023، كما تأخرت عدة دول أخرى في دفع مستحقاتها. وقد تكون العواقب وخيمة على العمال في جميع أنحاء العالم. ويدعو الإتحاد الدولي لعمال الصناعة نقاباته المنتسبة إلى التحرك فورًا: مارسوا الضغط على الحكومات لكي تسدد مساهماتها لمنظمة العمل الدولية.
أزمة ليست مسؤولية منظمة العمل الدولية
وصف المدير العام للمنظمة جيلبرت فوسون هونغبو الوضع بأنه "خطير" و"غير مسبوق خلال العقود الأخيرة"، محذرًا من أنه "يؤثر بالفعل في قدرتنا على تلبية توقعات أطرافنا المكوِّنة”.
والسبب واضح: الدول الأعضاء لا تدفع ما عليها من التزامات. إذ تجاوزت المتأخرات المستحقة على عدة دول 260 مليون فرنك سويسري (295 مليون دولار)، أي ما يقارب ثلث الميزانية الثنائية للمنظمة. وقد أدّى ذلك إلى أزمة سيولة حادة. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة، أكبر مساهم في المنظمة — إذ تؤمن 22% من تمويلها العادي — تدين بأكثر من 173 مليون فرنك سويسري. كما أن المانيا والصين ودولاً أخرى متأخرة أيضاً في السداد”.
* هناك حروب أشد تدميراً
ليست كل الحروب تُخاض بالصواريخ والدبابات. هناك حروب أكثر هدوءًا، لكنها أشد تدميراً، تُشنّ عبر قطع التمويل، وتجفيف الموارد، وشلّ المؤسسات الدولية التي قامت بعد عقود من الصراعات الاجتماعية والحروب الكبرى لحماية الإنسان من تغوّل القوة ورأس المال. وما تقوم به إدارة الرئيس دونالد ترامب ومن يدور في فلكها، عبر وقف التمويل أو تعطيل المساهمات تجاه عدد من الهيئات الدولية، ليس مجرد خلاف مالي أو إداري، بل مشروع سياسي يضرب أسس النظام الدولي نفسه.
وفي مقدمة المؤسسات المستهدفة تقف منظمة العمل الدولية، المؤسسة الأقدم والأكثر إرتباطاً بالحياة اليومية لمئات الملايين من العمال حول العالم. فحين تُحاصر منظمة العمل الدولية مالياً، لا يُعاقَب موظفوها ولا بيروقراطيتها، بل يُعاقَب العمال، وتُستهدف النقابات، وتُفتح الأبواب أمام فوضى اجتماعية واقتصادية عالمية.
*منظمة العمل الدولية ليست مؤسسة هامشية
منذ تأسيسها عام 1919، شكّلت منظمة العمل الدولية حجر الزاوية في بناء مفهوم العدالة الاجتماعية داخل النظام الدولي. فهي الجهة التي أرست المبادئ الأساسية المتعلقة بحرية التنظيم النقابي، وحق التفاوض الجماعي، ومنع العمل الجبري، ومكافحة عمل الأطفال، وضمان السلامة والصحة المهنية، وعدم التمييز في الاستخدام والمهنة.
هذه الاتفاقيات ليست أوراقًاً أرشيفية محفوظة في جنيف، بل هي الأساس الذي بُنيت عليه قوانين العمل الحديثة في عشرات الدول، والمرجعية التي تستند إليها النقابات في الدفاع عن العمال، والضمانة الأخلاقية والقانونية في مواجهة جشع بعض أرباب العمل وسياسات التقشف المتوحشة.
لذلك، فإن أي ضربة تتعرض لها المنظمة ليست شأناً دولياً مجرداً، بل مساس مباشر بحقوق العمال في المصانع والموانئ والمزارع والمكاتب والمدارس والمستشفيات.
*الإصلاح… لكن دون تراجع
هناك من يحاول القول بأن المنظمة عانت من فوضى إدارية، لكن المنظمة قامت "بإجراء بإصلاح هيكلي قائم على ثلاثة محاور:”
-إعادة تنظيم المكتب الرئيسي وإعادة تحديد أولويات برنامج العمل للفترة 2026-2027.
-تعزيز القدرة الميدانية عبر مراجعة الهياكل الإقليمية ولا مركزية مشاريع التعاون الإنمائي.
-دمج خدمات الدعم وإنشاء مركز خدمات عالمي جديد.
لكن الإصلاح يحتاج إلى موارد. ووفقاً لوثائق داخلية ، قد تضطر المنظمة، في حال استمرار نقص التمويل، إلى إلغاء ما يصل إلى 295 وظيفة، أي نحو 8% من إجمالي قوتها العاملة عالمياً.
وأكد مديرها العام جيلبرت ف. هونغبو أن المنظمة اضطرت بالفعل إلى إغلاق نحو 50 مشروعًا في الولايات المتحدة نفسها وتسريح حوالي 200 موظف نتيجة مباشرة للعجز المالي.
كما نشرت المنظمة سجلاً للمخاطر ونظام متابعة يُظهر الدول الأعضاء التي سددت مساهماتها، والمبالغ التي لا تزال مستحقة عليها، في خطوة للمساءلة العامة تجعل تجاهل المشكلة أمراً مستحيلاً"،وفق البيان النقابي لعمال الصناعة.
*ماذا يريد ترامب ومن معه؟
السياسة التي يمثلها الرئي الأمريكي دونالد ترامب تقوم على فكرة واضحة: إضعاف كل مؤسسة دولية لا تخضع بالكامل لمنطق القوة الأمريكية أو مصالح رأس المال المتوحش. هذا المنهج لا يرى في القانون الدولي قيمة، ولا في التعددية الدولية ضرورة، ولا في حقوق العمل أولوية.
إنهم يريدون عالماً بلا ضوابط، تُدار فيه العلاقات الاقتصادية بمنطق الصفقات، لا بمنطق الحقوق. عالماً تستطيع فيه الشركات العملاقة نقل الإنتاج حيث الأجور الأرخص، والحقوق الأضعف، والنقابات الأضعف، دون مساءلة أو التزام بمعايير دولية.
ومن هنا يصبح إضعاف منظمة العمل الدولية هدفًاً استراتيجياً، لأنها تذكّر العالم بأن العمل ليس سلعة، وأن الإنسان العامل ليس رقماً في دفتر الأرباح.
*من سيدفع الثمن؟
لن يدفع الثمن أصحاب المليارات، ولا مجالس إدارة الشركات العابرة للقارات، ولا سماسرة الخصخصة. الثمن سيدفعه العامل الذي يفقد حقه في التنظيم النقابي،والموظفة التي تتعرض للتمييز دون حمايةن بل والطفل الذي يُزج به إلى سوق العمل بدل المدرسة،والعامل المهاجر الذي يُستغل بلا عقود ولا ضمانات،خاصة المجتمعات التي تتآكل فيها الطبقة الوسطى ويتسع فيها الفقر والغضب.
وعندما تُضعف المعايير الدولية، تبدأ الدول بالتنافس على من يقدّم اليد العاملة الأرخص، والحماية الأضعف، والضرائب الأقل، فتدخل البشرية سباقًا نحو القاع.
*انهيار التوازن بين العمل ورأس المال
لقد وُجدت منظمة العمل الدولية أصلاً لأن العالم أدرك، بعد الحروب والثورات، أن السلام لا يقوم على القمع، وأن الاستقرار لا يُبنى على الاستغلال، وأن الاقتصاد لا يستمر حين يتحول العمال إلى ضحايا بلا صوت.
إضعاف المنظمة اليوم يعني إضعاف فكرة الثلاثية الاجتماعية التي تجمع الحكومات وأصحاب العمل والنقابات حول طاولة واحدة. ويعني عمليًا ترجيح كفة رأس المال على حساب العمل، وإطلاق يد السوق دون رقيب،إنها عودة مقنّعة إلى القرن التاسع عشر، لكن بأدوات رقمية وحديثة.
*مسؤولية النقابات والحكومات الوطنية
في مواجهة هذا الخطر، لا يكفي التفرج. على الحكومات التي تؤمن بالعدالة الاجتماعية أن تسدد التزاماتها تجاه المؤسسات الدولية، وعلى الحركة النقابية العالمية أن تعتبر الدفاع عن منظمة العمل الدولية جزءاً من الدفاع عن وجودها ومستقبلها.
كما أن على الرأي العام أن يدرك أن الهجوم على المؤسسات الدولية ليس شأناً نخبوياً، بل ينعكس مباشرة على الأجور، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، والاستقرار الاقتصادي.
* الأزمة والأول من أيار
قضية الهجوم على منظمة العمل الدولية ليست القضية النضالية الوحيدة التي تواجه العمال اليوم ، بل تواجه الطبقة العاملة في عالمنا هذا الكثير من القضايا العمالية، التي تؤكد أن لهذا اليوم، طابعاً نضالياً خاصاً ، ليس فقط بما يحدث من هجوم على منظمة العمل الدولية، بل في الكثير من القضايا الحارقة بالنسبة للعمال عامة ونقاباتهم خاصة، ففي فرنسا حاولت الحكومة الغاء حق العمال بيوم عطلة مدفوعة الأجر ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تواجه الحركة النقابية هجوماً على حقوق انجزتها بالنضال ، كما تواجه الحركة النقابية هجوماً على الحق بالإضراب ، مما دفعها للتوجه الى محكمة العدل الدولية،وما زال الإستغلال الفظيع للعمال في العديد من الدول قائماً ، حيث يتعرض قادة نقابيون للإعتقال بل وللإغتيال في عدة دول،وعن ساعات العمل وخرق قانون العمل بالنسبة لها فحدث ولا حرج، لذلك فمن يعتقد أن الأول من أيار لم يعد له وجود بالمفهوم الطبقي النضالي فهو واهم ،فإن الأول من أيارهو يومنا النضالي منذ 140 عاماً، منذ نضال عمال شيكاغو عام 1886، فقد شكّل الأول من أيار رمزاً عالمياً لنضال الطبقة العاملة. إن الأول من أيار هو يوم التضامن والنضال والتقدم الاجتماعي، يوم يجمع بين الاحتفال والنضال والتمسك بالحقوق.
*قطع التمويل وشراء الفوضى
“ واخيراً نؤكد أن منظمة العمل الدولية هي حجر الزاوية في النظام الدولي الذي يحمي حقوق العمال. وأزمة تمويل بهذا الحجم ليست مجرد مشكلة بيروقراطية، بل تهدد المعايير والرقابة والدعم الفني الذي يعتمد عليه العمال في جميع القطاعات وفي كل البلدان. إننا ندعو جميع الحكومات إلى الوفاء بالتزاماتها وتسديد مساهماتها دون تأخير.” كما أكد النقابي إتلي هوي الأمين العام لإتحاد عمال الصناعة في البيان.
إن إضعاف المنظمة يعني قدرة أقل على وضع المعايير، ودعماً أقل للتصديق على الاتفاقيات وتنفيذها، وتراجعاً في القدرة على مساءلة الحكومات وأصحاب العمل، حين يقطع الرئيس دونالد ترامب التمويل عن المؤسسات الدولية، فهو لا يوفّر المال، بل يشتري الفوضى. وحين تُجَوَّع منظمةالعمل الدولية، لا تُجَوَّع مكاتب جنيف، بل تُجَوَّع حقوق العمال في كل مكان.
إن الدفاع عن منظمة العمل الدولية اليوم ليس دفاعًا عن مؤسسة، بل دفاع عن فكرة عظيمة: أن الإنسان يجب أن يسبق الربح، وأن العدالة يجب أن تسبق السوق، وأن العمل يجب أن يبقى كرامة لا عبودية.