الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً عاجزاً عن التحول؟
ليث الجادر
2026 / 5 / 2 - 21:03
لم تعد الحروب الحديثة تُفهم بوصفها مجرد صدامات عسكرية بين دول تتنازع الحدود أو النفوذ، بل باتت تكشف عن وظيفة أعمق تتصل ببنية المجتمع نفسه. فالحرب، في كثير من صورها المعاصرة، لا تستهدف فقط إضعاف الخصم الخارجي، بل إعادة تشكيل الداخل: توزيع موارده، ضبط تناقضاته، وتوجيه طاقاته بعيداً عن إمكانات الفعل المستقل. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب نقيضاً للصراع الطبقي، بل أحد الأشكال التي يُدار بها هذا الصراع حين يعجز عن التعبير عن نفسه مباشرة.
الفكرة التي تستحق التوقف عندها هنا هي أن الحرب الحديثة تحمل جدلية مزدوجة. فمن جهة، كثيراً ما يصبح اندلاعها أكثر سهولة حين يكون التنظيم الطبقي ضعيفاً أو مفككاً؛ أي حين تغيب النقابات المستقلة، وتضعف الأحزاب الاجتماعية، ويتشتت الوعي الجماعي، وتتحول المطالب الشعبية إلى شكاوى متناثرة بلا أداة جامعة. ففي مجتمع يفتقر إلى الوسائط القادرة على فرض كلفة سياسية داخلية، ترتفع قدرة الدولة والنخب والتحالفات الجيوسياسية على الذهاب نحو خيارات الحرب أو التصعيد.
ومن جهة أخرى، ما إن تبدأ الحرب حتى تتحول إلى قوة تعيد إنتاج هذا الضعف نفسه. فهي لا تستهلك الموارد فقط، بل تعيد توجيهها نحو الأمن والعسكرة، وتفرض خطاب “الوحدة الوطنية” الذي يجمّد التناقضات الاجتماعية مؤقتاً، وتدفع الناس إلى الانشغال بالبقاء اليومي، وتبرر القيود على التنظيم والاحتجاج باسم الطوارئ. وهكذا لا تكون الحرب نتيجة لأزمة التنظيم الطبقي فحسب، بل أداة لإدامة هذه الأزمة.
في هذا المستوى، تنتقل الحرب من ساحة المعركة إلى الحياة اليومية. فالعقوبات، والضغط المالي، وتعطيل سلاسل التوريد، ورفع كلفة المعيشة، وتقييد المجال العام، كلها أدوات لا تقل أثراً عن السلاح المباشر. إنها تنقل المجتمع من سؤال السياسة إلى سؤال النجاة. حين يصبح العمل، والدواء، والوقود، واستقرار العملة، هي معارك الناس اليومية، تتراجع قدرتهم على الانشغال بالفعل الجماعي لصالح إدارة الضرورات الفردية.
وهنا يتشكل أحد أخطر وجوه الحرب الحديثة: تحويل الطاقة الاجتماعية من طاقة احتجاج إلى طاقة استنزاف. فالمجتمع الذي ينفق جهده في التكيف مع الأزمة، لا يبقى لديه فائض كافٍ للتنظيم أو المبادرة. يتوزع الأفراد بين البحث عن دخل إضافي، حماية ما تبقى من مدخراتهم، تأمين حاجات أسرهم، أو الهروب الفردي عبر الهجرة والانكفاء. ومع الوقت، يصبح التشتت الاقتصادي شكلاً من أشكال التفكيك السياسي.
غير أن المعاناة، مهما اتسعت، لا تتحول تلقائياً إلى فعل. فالغضب الاجتماعي يظل مادة خاماً ما لم يجد وسيطاً تنظيمياً قادراً على جمعه وتوجيهه: نقابات مستقلة، أحزاباً فاعلة، شبكات ثقة، أو أطر تضامن حقيقية. وفي غياب هذه الأدوات، يتخذ السخط أشكالاً فردية أو متقطعة: احتجاجات قصيرة، انفجارات موضعية، اقتصاد ظل، هجرة صامتة، أو انسحاب نفسي من الشأن العام. أي أن الأزمة تبقى قائمة، لكن قدرتها على التحول تبقى معطلة.
ومن المفارقات أن هذا العجز قد يخدم أكثر من طرف في آن واحد. فالخصم الخارجي قد يرى فيه نجاحاً للضغط دون كلفة المواجهة الشاملة، إذ يكفيه أن يبقى المجتمع مرهقاً ومقيَّداً. أما السلطة الداخلية، فقد تجد فيه فرصة لإعادة إنتاج السيطرة عبر إدارة الندرة، وتوسيع شبكات الولاء، وتقديم نفسها بوصفها الحاجز الأخير أمام الفوضى. وهكذا يتحول المجتمع إلى مساحة يتقاطع فيها ضغط الخارج مع آليات الداخل، بينما يبقى المواطن هو الحلقة التي تُستنزف من الجانبين.
من هنا تظهر الجدلية المركزية بوضوح: ضعف النضال الطبقي يسمح بالحرب، والحرب تعيد إنتاج ضعف النضال الطبقي. أي أننا أمام حلقة مغلقة تبدأ بتفكك اجتماعي وتنظيمي، ثم تسهّل فرض خيارات الحرب من أعلى، ثم تنتهي إلى مزيد من إضعاف التنظيم المستقل، بما يجعل المجتمع أكثر قابلية لأزمات جديدة أو حروب لاحقة.
لكن هذا لا يعني أن كل حرب تُفسَّر حصراً بالطبقة؛ فثمة عوامل قومية وأمنية وجيوسياسية حقيقية لا يمكن إنكارها. غير أن السؤال الأعمق ليس لماذا تقع الحرب فقط، بل لماذا تصبح ممكنة بهذا الشكل، ولماذا تميل آثارها إلى تكريس العجز الداخلي. وهنا يظهر الوزن الحاسم لمسألة التنظيم الاجتماعي وقدرته على فرض حدود على منطق الحرب.
إن أخطر نتائج هذا النمط من الحروب لا تكمن في الخراب المادي وحده، بل في إعادة صياغة أفق المجتمع نفسه. فحين يعتاد الناس على الطوارئ، ويتكيفون مع التراجع، ويستبدلون الطموح بإدارة الخسارة، يصبح العجز جزءاً من الحياة العادية. عندها لا تكون الحرب قد دمرت البنية التحتية فقط، بل أصابت البنية النفسية والزمنية للمجتمع: أضعفت ثقته بالمستقبل، وقلصت قدرته على التخيل، وجعلت النجاة الفردية بديلاً عن الفعل العام.
لهذا، قد يكون الوجه الأكثر خفاءً للحرب الحديثة أنها لا تنتصر دائماً عبر الحسم، بل عبر الإدامة؛ لا عبر السيطرة المباشرة، بل عبر إنتاج مجتمع عالق بين الألم والعجز. مجتمع لا يموت ولا ينهض، بل يستمر في حالة معلّقة من الاستنزاف. وفي مثل هذا المجتمع، يصبح استمرار الأزمة هو النصر الحقيقي لمن يديرها.