عن رواية -دفاتر الجيلاني ولد حمد- للكاتب الروائي الصحبي الكرعاني


بشير الحامدي
2026 / 5 / 2 - 06:04     

تلميذ الرياضيات النجيب يتوجه إلى الأدب ... استاذ جامعي يعيش خارج أرض الوطن يدرس بجامعة فرنسية. الصحبي الكرعاني كاتب روائي هومن يقول عن نفسه أنه كاتب غير محترف هذا الكاتب غير المحترف يكتب دفاتر الجيلاني ولد حمد . دفاتر الجيلاني ولد حمد كتبت الحياة بلغة بسيطة كتبت بسهولة كتبت العيش المريح ...فعندما تكون العبارة خالية من التكلف تكون غير ذات كلفة وتجري معك جريان الماء السلسبيل في الحلق . لن تشعر بالتعب وأنت تقرأ دفاتر الصحبي لن تشعر أنك ضئيل ضئيل أمام عظمة ما يقدم لك. لا. لن تشعر. بل ستشعر أنك سيد كل ما يقال بل أنت من بقول ومن يكتب. لقد نجح الصحبي في ذلك أيما نجاح. فعندما تصبح لغة القاع التي لا يفهمها إلا من هو من القاع يصير الأمر سهلا جدا على القراء. .لغة الجيلاني ليست لغة الدرس الأكاديمي بل إنها لغة الحكاية والتاريخ. بعيدة عن السرد الممل الممتلئ نظريات كما يقدمه أصحابه على أنه تجريبي. الخيال عندك وليس عنده هو ينتقل بك من صعيد إلى صعيد من عتبة إلى عتبة من جيل إلى جيل .. أنه يقدم لك قصة أجيال قصة الهوية والذاكرة. الكتابة لست قاموسا فقط أو بناء فقط إنها كل ذلك دون دراية وأكثر من ذلك بكثير...
الجيلاني كتب ليقول أن شيئا ما كان توقف وها أنه يبحث عن الزمن الذي هو معني به هو يكتب ذاكرته هويته ماضيه أخبار وأحوال أجداده جداته وفي كلمة هو يكتب لناسه أو ليخلّد ناسه.
يمكن القول أن جيلاني يكتب عن التاريخ... يكتب الحاضر... الجيلاني هو أكبر أبناء حسونة هو شخصية تحتفي بالحياة ليست هناك فلسفات تراوده لقد سافر لإيطاليا لكنه لم يكن يشاء أن يسافر هناك عدة أسباب للمغادرة ليس المطالبة بالدين فقط. الدفاتر هي قصة 6 أجيال بالتمام و الكمال قصة عشيرة بعيدة عن صخب المدبنة وعن قضياها: قضية المرأة قضية المثقف قضية العلاقة مع السلطة كلها قضايا لا تعثر عليها في دفاتر الجيلاني بشكل مباشر لكنها موجودة بالقوة.
"دفاتر الجيلاني ولد حمد" رواية مشهد نراها ونشاهدها حتى دون أن نقرأها شخصياتها قريبة منا زمانها زماننا ومكانها نعرف عنه كل التفاصيل من حفلات الزفاف إلى الفيضان إلى الوادي وما يحمل من رموز ودلالات.
يقول الصحبي عن دوافعه للكتابة أن "عين حمد مكان حقيقي في ريف القيروان، ولد وعاش ثمّ مات. لا شكّ أنّ ذكراها كانت ستمّحى نهائيًّا برحيل آخر جيل ممّن عاشوا فيها وعرفوها قبل الرّحيل القسري عنها. كان صون ذكرى ذلك المكان المتفرّد من الاندثار أحد دوافعي في كتابة الدّفاتر. ولكنّني حرصتُ ألّا يسقط النصُّ في فخّ التّأريخ المملّ للمكان فكانت عينُ حمد إطارًا ثقافيًا وروحيًا تتحرّك فيه شخصيات الرواية، وإن تناءت عنها في المكان والزّمان."
هي حكاية عن التاريخ الصغير والكبير ... حكاية عن السهل و الجبل وعلاقاتهما. حكاية عنك وعني وعنا . حكاية تمتد على أكثر من 300 سنة من التاريخ هذا التاريخ الذي كنا (كانوا) فيه في القاع لا أكثر ولم نبحث على أن نكون في الرأس لقد اكتفى الصحبي أن جعلنا نقنع بالقاع. ثم ياله من قاع ثري لو يدون.
رواية "دفاتر الجيلاني ولد حمد" أحداثها تتحرك في فلك التّقاليد والعادات والنّمط التقليديّ الذي يجب ألا نثور عليه بل ننسجم معه وننخرط في قيمه.
الرواية شبيهة بمرآة لأنها تجبرك على الانسياق للخيال وعلى التحرّر من القيود فالإنسان بطبعه يبحث عن كل ما هو غرائبي والصحبي نحج في جرنا لعالم مكتظ بالشخصيات والاستطرادات والغرائبية لكنها غرائبية واقعية إن صحّ القول. زمان ومكان ليس بالبعيدين لكنهما بعيدان قريبان. غرائبية الصحبي أشبه بالواقعية لأنها منا وإلينا وهنا والآن برغم أنها ليست لا هنا وليست لا الآن. فأنت بعيد بعيد ولكنك قريب قريب . فيها عالم من فرح الصبا هناك عالم بعيدا يلوح جميلا برغم كل شيء برغم قتامته فهو جميل...
لم يلجأ الصحبي لأفكار أيديولوجيات ولنظريات لم يستنزف القارء لقد جعلنا نقرأ ونقرأ فقط لنعرف ليس لنيبني مواقف أو لنوافق لا بل فقط لنقرأ و نغتبط .
عندما تكون متأزما لسبب ما أو فرحا أو هكذا عاديا أو تريد أن تعود من رحلة وأنت لم تتحرك قيد انملة ولم تبارح مكانك الجاثم فيك أو عندما تريد أن تضحك على نفسك فلماذا أنت جامد لا تتحرك مجرد مستهلك أو عندما تكون الحياة قد أطبقت عليك ورمتك ثناياها بعيدا فوجدت نفسك كبقرة تخور وتخور أو عندما تتحوّل لذئب في عيونك أو في عيون من يعرفونك أو عندما تكون متيقظا لكن منفجرا أو عندما تكون الأشياء ملتبسة أمامك فلا تستطيع فرز الجيد من الرديء أو عندما تريد أن تعرف لماذا هناك حروب ودمار ولماذا هناك أيضا صمت كبير واستعمار أو عندما تري أن لا مهرب لك من أن يكون لك موقف من كل ما يجري فما عليك إلا الاستماع لصجبي كرعاني ماذا قال في روايته دفاتر الجيلاني ولد حمد.
قد لا تظفر بشيء وقد تجد ضالتك ولكن ما أضمنه لك أنك ستنسى كل شيء ستكون شخصا آخر و أنت تغوص مع ناس الرواية في مشاكلهم في مسراتهم أتراحهم أفراحهم وستعرف الكثير الكثير الذي قد يغير منك و أنت الذي تقول عن نفسك أن لا شيء يمكن أن يغيرك.
أنا أقول أنك ومهما تكون ستغيرك هذه الرواية نعم ستغيرك...
لقد حدث معي موقف غريب أنا الذي أقول أني لا آتي ما يمكن أن يقلق الغير فقد صادف في الصائفة الفارطة أن كنت في وسيلة نقل عمومي (لواج) عائد من تونس للحمامات تدوم ما يقارب الساعة فقلت لما لا أقرأ سطورا من كتاب ما.
وقتها كنت أعتبر رواية الصحبي كغيرها من الكتب ومن حسن الحظ أن أخرجت من حقيبتي رواية " دفاتر الجيلاني ولد حمد" وانغمست في قراءتها...
الحقيقية أنها شدتني من صفحاتها الأولى حتى أني صرت ومرات أضحك بصوت عال وهو ما أزعج الركاب السبعة تقريبا... تكلمت إحداهن وهي التي تجلس بجانبي قالت "خويا شوية احترام نقص من الضحك أقرأ وحدك راك قلقتنا"
نظرت إليها متعجبا وقلت لها: " داكور عندك حق..." هي لا تعرف أني عثرت على تحفة وأن ضحكي بصوت عال مرده انغماسي مع الكاتب في روايته للأحداث... فقد فهت قصده وما يريد أن يقوله بين السطور ونسيت أنه كان عليا أن أحترم الناس الذين يقاسمونني نفس وسيلة النقل فأقرأ وحدي كما نصحتني السيدة التي تجلس بجانبي.
إنها المرة الأولى التي أكون فيها في وسيلة نقل و أنسى نفسي و أتفاعل مع أمر أو أمور ما بتلك الطريقة.
الصحبي يجعلك تنسى أين أنت ومن أنت. ستتحول إلى شخصية من شخصيات روايته وتتصرف على ذلك الأساس أينما كنت... قد تنسى أنك بشير أو عادل أو سالم أو لطيفة وتصير مرة الهدهد ومرة أخرى حسنة ومرة أخرى الجيلاني نفسه.
لقد ضحكت من مواقف قد يعدّها غيرى عادية لا تضحك لقد ضحكت كثيرا من "كان جدّي يردّد كلما سمح السياق بمثل ذلك الحديث، أنه على اثنين من الرجال أن يذهبا إلى حيث يجب عليهما أن يذهبا سواء رضيا أم لم يرضيا: السجين إلى زنزانته والعريس إلى مخدع عروسه. وكلما تذكرت كلامه تراءى لي مشهد جاب الله الهدهد وهو يتخبّط ويصكّ برجليه محاولا التملّص من رجال الدوار الذين حملوه حملا ليدخلوه عنوة على عروسه..."
لقد ضحكت كثيرا من قصة الهدهد وخالته وكذلك ضحكت كثيرا ممّا قام به الجيلاني ولد حمد لما فتح الحارس باب العربة استعدادا لإدخاله إلى المكان المخصص له في السجن وتلك الاغماءة التي قام بها ولم ينهها إلى الآخر حيث يقول "...خشيت أن تتهشّم أسناني إذا ما تماديت في السرك الذي انخرطت فيه فاستيقظت من إغماءتي المفتعلة بسرعة..."
أقرؤا الكتاب وأن كنتم قد قرأتموه أعيدوه ثانية وثالثة أو عودوا إلى صفحاته لا شك ستضحكون.
في الأخير أنا لم أضحك إلا من نفسي ألسنا كلنا مثل حمد أو الهدهد جاب الله. ألا نتعالم ونتحايل خصوصا على الشرطة ألم نعش كلنا مواقف مرتبطة بالجنس والزواج قريبة من موقف الهدهد الذي يرفض الزواج من مرأة تكبره سنا ووزنا وهو الرجل قصير القامة ولكنه لا يقول أنه لا يريد الزواج خوفا من خالته التي اختارت له زوجه كما وصفها الصحبي.
أو حينما يذكر لنا المسمى السعدي فيقول عنه " كان السعدي يقرأ كثيرا عن الانسان القديم ويحدّث عن أحواله بالتفصيل كأنه يعيش معنا في الدوار .أكّد لي لأنه باستثناء المائة الأخيرة على الأكثر، لا علاقة لأجدادنا بالإنسان الذي نعرفه الآن وعدته يومها ونحن نضحك بأنّني إذا ما التقيت أحدهم فلن أفكّر في سؤاله عن الوقت فضلا عن إخباره بأني حفيد الجيلاني وتقبيله أربع قبلات بل سأطلق ساقيّ للريح ولا ألتفت..."
بالله عليكم فإن كان مثل هذا السرد لا يضحككم و لا ينسيكم أنكم مع الناس فلست أعلم أأنتم عاقلون أم ماذا؟
بالله عليكم ألا تدركون معي أن السارد نفسه يضحك علينا وعلى نفسه أولا وأخيرا. ألم يعاشر كل منا رجلا كالسعدي .
السعدي هذا شخصية عظيمة في الرواية إلا أنها شخصية تافهة عندنا نحن المتعالمون. الكاتب أراد أن يقول لنا لا تضحكوا فكلكم السعدي فلا شيء يزعج في السعدي إنه مثلكم تماما... إنه مثلنا جميعا هو لس من سكان المدن ولكنه يدّعي. هو لا يعرف سوى قصص الفيضانات والصحون والطناجر و الجلود العالقة بحافة الوادي ولكنه مثلكم يتظاهر أنه يعرف أسرار التاريخ والأنساب أيضا...
لقد ضحكت أيضا في الصفحة 27 نعم ضحكت كثيرا و الحقيقة انه الكتاب الأول الذي جعلني مسرورا جدا. جربوا قراءته وستسرون.
مثل هذا الكلام كنت لن أصدقه ان حكي لي أحدهم يوما أن كتابا جعله مسرورا ولكن الأمر حث معي شخصيا. لقد وجدت نفسي أنزل من (اللواج) وتوا للمنزل لأنزوي مع حكايات الصحبي.
قلت ضحكت أيضا في الصفحة 25 سأكتب بالضبط ما دعاني للضحك: "كان الحديث مع السعدي من أهم سبلي للتثقف و تحصيل المعلومات العامة. لم ألأنكر ذلك يوما ولم أرى أي عيب في ان يجمع أخي الأصغر الحكمة من الكتب و أجدها أنا مبثوثة في كلامه. لم أكن الوحيد في ذلك بل نهل الجميع غي عين حمد من معينه السخي حتى أنّ بونسنوسة الراعي كان يحفظ عن ظهر قلب العشرات من الاقتباسات الأدبية. ورغم جهله بالقراءة و الكتابة ظل يضمّنها كلامه مؤكدا أنها تجعله يسافر وهو في الدوّار. كان يثير ضحك الجميع عندما يقدّم نفسه على أنه ملازم في سلاح المدفعية أو يدعو جدي باسم عثمانوفيتش الإقطاعي..."
قبض على الجيلاني لأنه كان يرتدي زيا نازيا زي أميرال لبسه في ظروف وخاصة جدا فحتى البولوني الذي سمع الحكاية قد شكك فيها وقد كلفته حكايته 3 سنوات سجنا بعد أن قال الجيلاني الحقيقة حقيقة الاستعمار. الجيلاني هنا سيصير مسيسا يفهم الواقع كما يجب.
ليست هناك رواية لا تبحث في السياسة من قريب أو من بعيد.
يجيب الصحبي عن سؤال أن الرواية للمدينة و الشعر ريفي بدوي بالقول "
الرّواية هي أحجية للعالم، كما وصفها ماركيز، وتلزمها تفاصيل كثيرة وتعدّد شخصيّات ولعبة أسرار، ولذلك هي تميل إلى الأمكنةَ الّتي تعجّ بالزّوايا والمتاهات. ومن أجل ذلك كانت المدينة الإطار الأمثل لأحداثها في نظر الكثير من الكتّاب في مقابل البوادي والصّحراء الّتي لا يوجد فيها سوى الامتداد الّذي يصعب ملؤه بالسرد (ربّما لأجل ذلك ملأها الإنسان منذ فجر التّاريخ بكائنات غير مرئيّة). لا أعتقد أنّ ثراء السّرد يتعلّق بطبيعة المكان بقدر ما يتعلّق بقدرة الرّوائي على الاستفادة من عناصره من أجل خلق شخصيّات تنبض بالحياة. ولا يجب أن ننسى أنّ دون كيشوت، أوّل رواية في الأزمنة الحديثة، قد جرت أحداثها في الرّيف الإسباني.."
يمكن القول أن الصحبي متعلق بمن كتب (دون كيشوت) لكن ما لا يعلمه الصحبي أنه كتب نصا أعظم و أجمل مما كتبه صاحب دونكيشوت.
فحتى و إن بدا هذا الراي انطباعيا من الوهلة الأولى لأن في الأدب هناك ذائقة وبهذه الذائقة يمكن أن نحكم ولكن الذائقة مختلف حولها فما يراه فلانا جيد يمكن أن يراه علانا متوسط أو أقل من ذلك بكثير. فعموما في الأدب لا يمكن القول أن الرواية الفلانية أحسن من الرواية الأخرى لكن يمكن القول أن الرواية الفلانية جيدة جدّا وتستحق أن نرصد لها الجوائز والقراء بينما غيرها لست على هوى من يتحدث.
في رواية الجيلاني ولد حمد نقد للاستعمار الفرنسي ولبورقيبة ولتجربة التعاضد ولمجلة الأحوال الشخصية وللفلاڤة والصبايحية وبناء الجيش التونسي ولليسار والشيوعيين عموما في شخصية عمّار الشيوعي إبن الريف ولكوثر إبنة الطبيب والمحامية . اشتروها واقرؤوها ولا شك ستضحكون كثيرا وتستمتعون باقراءة وتقولون عنها "رواية دفاتر الجيلاني ولد حمد" لا يمكن أن تكون رواية سياسية.