اعتراف وطن


أمين أحمد ثابت
2026 / 4 / 30 - 16:04     

في البدء كان الارث، وكان البيت الكبير الذي تركه الاب ، وكان ما تبقى من الاخوة وابناء من رحلوا ومن هم من مكسرات الجناح بابناء ازواج يجعلهم باخلاق البلد غير مستحق الارث عن امهم لانهم مناسبين لاباء بكنية غير كنية الاب المورث الكبير - الذين جلسوا حول الطاولة يتنازعون الكلمات كما يتنازعون الذهب والفضة. لم يكن النزاع على الذكرى أو على صورة الأب المعلقة في صدر المجلس، بل على العقود والأختام، على نصيب كل واحد منهم، وعلى الحيلة التي تجعل أحدهم يخرج من الباب وفي جيبه أكثر مما خرج به الآخر. هكذا بدأ النهب: نهب الأقوال قبل نهب الأموال، نهب الثقة قبل نهب الأرض.

لم يكن البيت الكبير سوى بداية الحكاية، جدرانه المتداعية كانت تخفي أصواتًا متنافرة، كل واحد يرفع حجته كمن يرفع سلاحًا، وكل آخر يبتسم ابتسامة خفية وهو يقتطع نصيبًا أكبر من الميراث. الكلمات نفسها كانت تنهب قبل أن تُنهب الأموال، والدم الذي يفترض أن يوحّدهم صار حبرًا على عقود متنازع عليها. ومن تلك الشرارة الصغيرة انطلقت النار التي ستلتهم الحقول والطرقات والمدن.

الأرض التي كانت تحرث بالعرق وتُسقى بالدمع، تحولت إلى ساحة صراع، حيث القوة تكتب حدودًا جديدة، والفلاح المطرود يظل واقفا عند أطراف الحقل، يحدق في أشجار البلس والبرتقال والذرة التي لم تعد له ، واصبحت اقرب للارض البور . . المتحولة الى متصحر يتجهز للبناء ل . . لعمارات ومحلات تجارية قادمة، حيث الإسمنت يرتفع كجدار يقطع ذاكرته عن جذوره. لم يكن أحد يسمع صوته، لكنه كان يتردد في صمت المدينة القادمة، كأن الأرض نفسها تهمس بما سُلب منها.

وفي السوق، المحلات الصغيرة التي كانت تبيع الخبز والبهارات اختفت تحت جرافات ضخمة، وحلّت مكانها متاجر لامعة، ثم مولات تضيء الليل كأنها معابد جديدة. الداخلون إليها يظنون أنهم يملكون حرية الاختيار، لكنهم يخرجون مثقلين بالديون، فيما المال المنهوب يتطهر في خزائن البنوك، يتبدل اسمه من "مال مسروق" إلى "استثمار مشروع". خلف كل واجهة زجاجية كان هناك صوت خافت يهمس:
- هذا المكان كان لي، هذا الجدار كان يحميني، وهذه الأرض كانت رزقي.

تحرك الزمن . . سنة وراء سنة، عقد وراء عقود واقترب الزمن من عبور المائة عام ، لم يعد النهب مقتصرا على الإرث أو الأرض أو السوق، بل صار خزائن الدولة نفسها هي الغنيمة الكبرى. الوزارات تحولت إلى شركات، المدارس إلى مؤسسات خاصة، المستشفيات إلى مشاريع ربحية. الخصخصة لم تكن إصلاحًا، بل كانت إعادة إنتاج للنهب في صورة قانونية، أكثر أناقة، وأكثر قدرة على الإقناع. الموظف الذي كان يكتب في سجلات الدولة صار يبيع جهده بعقد مؤقت، والمواطن الذي كان يملك حقا صار يشتريه بثمن باهظ.

ونشأت المدن الحديثة ، أبراج زجاجية تلمع في النهار وتضيء في الليل، طرق واسعة، جسور معلقة، أسواق عمل مزدحمة. لكنها كانت مبنية على طبقات من السلب، على ميراث مغتصب، على أرض منهوبة، على خزائن منهكة. كل نافذة، كل حجر، كل مصعد، كان شاهدًا على قصة طويلة من النهب، قصة بدأت من بيت صغير وانتهت في مدينة كاملة.

بدا المشهد كله كأنه مسرح ضخم، الأبراج هي الديكور، المولات هي الخلفية، الخصخصة هي النص المكتوب، والناس ممثلون يؤدون أدوارهم في عرض لا ينتهي. أما المال، فهو البطل الخفي الذي يحرّك الأحداث، يتنقل من يد إلى يد، من خزينة إلى خزينة، لكنه يظل يحمل في داخله وصمة البداية
........... وطني
أرض المال المسروق