عيد العمال العالمي… ومعاناة الكادحين في الأقاليم الإيرانية


جابر احمد
2026 / 4 / 30 - 00:11     

يُجسّد عيد العمال العالمي تاريخًا طويلًا من نضالات الطبقة العاملة في سبيل نيل حقوقها المشروعة وتحقيق العدالة الاجتماعية. إلا أنّ هذه المناسبة تأتي هذا العام في ظل واقع بالغ القسوة تعيشه الطبقة العاملة في إيران عمومًا، وفي إقليم الأهواز على وجه الخصوص، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتُثقل كاهل الكادحين وتدفعهم نحو مزيد من المعاناة.
في سياق استثنائي يتّسم بتفاقم الأزمات، يرزح المجتمع الإيراني تحت وطأة تدهور اقتصادي حاد، وتداعيات صراعات وحروب ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية والإنتاجية، وفاقمت من معاناة العمال. وبينما يحيي عمال العالم هذه المناسبة بأمل تحسين ظروف حياتهم، يواجه عمال إيران واقعًا يتسع فيه الفقر، وتتفاقم البطالة، وينعدم فيه الأمن الوظيفي بشكل غير مسبوق، فضلًا عن الاعتقالات المتكررة التي تطال قادة النقابات العمالية في مختلف الأقاليم.
لقد أسهمت السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على الخصخصة غير الشفافة، وتقليص الدور الاجتماعي للدولة، وتغليب مصالح فئات ضيقة من أصحاب النفوذ، في تعميق الفوارق الطبقية وإضعاف القطاعات الإنتاجية، مما جعل العمال قوة عمل هشّة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار. ومع ارتفاع معدلات التضخم وتآكل الأجور الحقيقية، بات ملايين العمال على حافة الفقر، بل ودونها في كثير من الأحيان.
وإلى جانب هذه الأزمات البنيوية، أدّت التوترات الإقليمية والعقوبات الاقتصادية إلى إنهاك الاقتصاد وانعكست بشكل مباشر على معيشة المواطنين، حيث ارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة، وتراجعت القدرة الشرائية، وأصبح حتى العاملون عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وفي خضم هذه الظروف، جاءت الحرب لتضيف حالة جديدة من المعاناة. فالحرب، بوجهها العنيف، لا تجلب سوى الدمار للفئات الأكثر هشاشة، حيث يتحمّل العمال وذوو الدخل المحدود العبء الأكبر من تبعاتها. ولم تكن أزمة الدواء سوى مثال صارخ على ذلك، إذ ارتفعت أسعار الأدوية إلى ثلاثة أضعاف في فترة وجيزة، وترافق ذلك مع نقص حاد في توفرها، مما أدخل المرضى، خصوصًا من الفئات الفقيرة، في دوامة من القلق والخوف. وفي هذا المجال:
تروي “زهرا”، وهي عاملة في قطاع الخدمات من طهران وتعاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، أن تكلفة أدويتها الشهرية ارتفعت من أقل من مليون تومان إلى ما بين 2 و2.5 مليون تومان، في ظل ندرة بعض الأدوية الحيوية كالأنسولين. وتضيف أنها اضطرت لدفع 13 مليون تومان دفعة واحدة لتأمين أدويتها لعدة أشهر خوفًا من انقطاعها، رغم أن راتبها لا يتجاوز 20 مليون تومان، ما جعل حياتها “جحيمًا حقيقيًا”.
أما “علي”، وهو عامل متقاعد أجرى عملية قلب مفتوح، فيعاني من عدم قدرته على تأمين دواء أساسي لحالته بسبب ارتفاع تكلفته وندرته، مما يضطره إلى تقليل زياراته الطبية رغم خطورة حالته. ويصف حياته بأنها “موت تدريجي” في ظل العجز عن تغطية تكاليف العلاج.
وفي سنندج، تروي “جينا”، وهي معلمة حرة مصابة بسرطان الغدة الدرقية، كيف تضاعفت تكاليف علاجها ثلاث مرات، في وقت انقطع فيه دخلها بسبب إغلاق المدارس. وتشير إلى أن تكاليف علاجها تصل إلى نحو 10 ملايين تومان كل بضعة أشهر، في حين لا يغطي التأمين سوى نسبة ضئيلة منها، ما يجعل استمرار العلاج تحديًا يوميًا.
إن هذه الشهادات ليست سوى نماذج قليلة من واقع أوسع، حيث تتقاطع الحرب مع الفقر والمرض لتشكّل عبئًا لا يُحتمل على كاهل الفئات الأكثر ضعفًا. وفي إقليم الأهواز العربي تتضاعف المعاناة نتيجة التهميش الاقتصادي والتمييز القومي، رغم ما يزخر به الإقليم من ثروات طبيعية هائلة إلا أنها لا تنعكس على حياة سكانه.
ولا تقتصر معاناة العمال على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل التضييق على الحريات النقابية، حيث يتعرض العديد من النشطاء العماليين للملاحقة والاعتقال بسبب مطالبهم المشروعة، مما يعتبر انتهاكاً واضحاً للحقوق الأساسية.
وفي هذه المناسبة، يؤكد العمال والنشطاء في مختلف مناطق إيران على ضرورة وقف السياسات التي أفقرت الطبقة العاملة، واعتماد نهج اقتصادي قائم على العدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق الأساسية للعمال، وفي مقدمتها الحق في التنظيم النقابي المستقل وحرية التعبير. كما يطالبون بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية نشاطهم المطلبي، وإنهاء كافة أشكال التمييز، وتبني سياسات تضمن توزيعًا عادلًا للثروات وتحمي الفئات الأكثر هشاشة.
إن نضال الطبقة العاملة، رغم كل التحديات، يظل تعبيرًا حيًا عن تطلعات الشعوب إلى الحرية والكرامة والعدالة. ومن هنا، تبقى إرادة العمال، بتكاتفها وتنظيمها، قادرة على فرض التغيير وبناء مستقبل أكثر إنصافًا.
تحية إجلال لكل عامل صامد…
المجد للعمال… والكرامة لكل الكادحين.

ملاحظة:
المقابلات والأرقام الواردة في هذه المقالة مستقاة من تقرير للسيدة "هزاره مقدم".