الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة متعددة الأدوات بلا وسيط تنظيمي.. ج٢
ليث الجادر
2026 / 4 / 28 - 13:10
الفكرة التي طُرحت سابقاً حول الأثر الطبقي للحرب احتاجت إلى توسعة، لأن الحرب لا تختزل في الحصار وحده، كما أن التوتر الطبقي لا يتحول تلقائياً إلى تغيير سياسي ما لم يوجد تنظيم يستوعبه. ومن هذه الزاوية، يصبح ضرورياً النظر إلى الصراع الإيراني–الأمريكي بوصفه عملية أعمق من مجرد مواجهة عسكرية، إذ تحوّل إلى بنية ضغط متعددة المستويات، تتداخل فيها الأدوات الاقتصادية والمالية والأمنية والإعلامية. وضمن هذا التحول، لا يمكن فهم الحصار البحري إلا بوصفه جزءاً من منظومة أوسع تشمل العقوبات، تقييد النظام المالي، استهداف سلاسل التوريد، وإدارة الإيقاع الأمني الداخلي. هذه الحرب المركبة لا تستهدف الدولة فحسب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل توازناتها الاجتماعية من الداخل.
ضمن هذا الإطار، تتوزع آثار الضغط بشكل غير متكافئ. فالطبقات الفقيرة والوسطى تتحمل العبء الأكبر عبر التضخم، تآكل الدخل، وانكماش فرص العمل، لكن هذه النتائج لا تنبع من عامل واحد، بل من تفاعل ضغوط متزامنة: تراجع العائدات، اختلال العملة، وارتفاع كلفة الاستيراد. ومع الوقت، لا تتوسع دائرة الفقر فقط، بل تتآكل وظيفة الطبقة الوسطى بوصفها أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، تعيد النخب الاقتصادية تموضعها داخل اقتصاد الأزمة. فالعقوبات وتقييد القنوات الرسمية لا يلغيان النشاط الاقتصادي، بل يعيدان تشكيله عبر قنوات موازية. هنا تستفيد شبكات قادرة على الوصول إلى الموارد والالتفاف على القيود، وغالباً ما تكون مرتبطة ببنى السلطة. وبهذا، لا تنتج الحرب فائزين وخاسرين بشكل بسيط، بل تعيد فرز الطبقات العليا نفسها لصالح فئات أكثر اتصالاً بمراكز القوة.
أما الطبقة العاملة، فتخضع لإعادة تشكيل مزدوجة: انكماش في القطاعات المدنية، مقابل توسع انتقائي في أنشطة مرتبطة باقتصاد الأزمة. وهذا لا يحسن موقعها بقدر ما يغير شروط استغلالها، حيث تصبح أكثر اعتماداً على عمل غير مستقر أو منخفض القيمة الحقيقية، ضمن اقتصاد يعيد توزيع المخاطر نحو الأسفل.
غير أن العامل الحاسم لا يكمن فقط في هذه التحولات، بل في غياب البنية القادرة على تنظيمها سياسياً. فالتوترات الطبقية، رغم تعمقها، لا تجد إطاراً مستقلاً يعبر عنها. التنظيمات القادرة على تجميع المصالح وتحويلها إلى فعل جماعي إما ضعيفة أو مُحتواة، بينما تهيمن أشكال تعبئة رسمية تعيد توجيه السخط ضمن خطاب المواجهة الخارجية.
هذا الفراغ التنظيمي يغيّر طبيعة النتائج المحتملة. فبدلاً من أن تقود الأزمة إلى انفجار طبقي، تميل إلى التفكك أو الاحتواء: تتوزع الضغوط على استراتيجيات بقاء فردية، أو تُعاد صياغتها ضمن قنوات تخدم استقرار النظام. وهنا، تفقد الأزمة طابعها التحويلي رغم عمقها.
بناءً على ذلك، لا يمكن فهم “الضغط الأقصى” كآلية تؤدي خطياً إلى الانهيار الداخلي. فنجاحه أو فشله يتحدد بمدى وجود وسيط قادر على تحويل التدهور الاجتماعي إلى مشروع سياسي. وفي غيابه، تميل النتيجة إلى إعادة إنتاج البنية القائمة بصيغة أكثر تفاوتاً، لا إلى تجاوزها.
وعليه، فإن الحرب لا تعيد تشكيل الطبقات فقط، بل تعيد تحديد حدود الفعل الممكن داخلها. وبين ضغط خارجي متعدد الأدوات، وداخل يفتقر إلى التنظيم المستقل، يتشكل واقع طبقي متوتر وعميق، لكنه عاجز عن التحول؛ وهو ما يجعل استمراره، لا انفجاره، الاحتمال الأكثر ترجيحاً.