تغول العملية السياسية.. صراع المؤسسة أمام الصنمية الحزبية
أحمد فاضل المعموري
2026 / 4 / 27 - 00:15
تكشف القراءة الفاحصة للمشهد العراقي منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، عن أزمة بنيوية عميقة تكمن في "تغول" القوى السياسية على حساب الدولة الدستورية، حيث تشكلت السلطة وفق إرادات خارجية ومصالح فئوية ضيقة، أنتجت نظاماً يقدس "سلطة الحزب" على حساب "سلطة القانون". لقد أدى هذا المسار إلى عجز تام عن إرساء مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات، مما تسبب في تآكل مطرد لجرف الدولة لصالح جرف الأحزاب، حتى تحولت المؤسسات إلى إقطاعيات تدار بعقلية "الحزب القائد" أو "الزعيم الأوحد".
إن استمرار تعطيل الدستور بمنطق "التوافق السياسي" يهدد بإنهاء العملية السياسية في أمد قريب، فالتخلي عن الأصول الدستورية والتمسك بالاستثناءات المشوهة ولد حالة من الشلل السياسي، تجسدت في "الثلث المعطل" الذي جعل الدولة رهينة للمساومات لا خادمة للمواطن. ومن هذا المنطلق، تبرز "الجبهة الوطنية العراقية الموحدة" (العراق أولاً) كضرورة تاريخية تفرضها اللحظة الراهنة، لا لتقديم حزب إضافي، بل لنقل العمل السياسي من حيز "الأشخاص" إلى رحاب "المؤسسة"، ومن ضيق "المحاصصة" إلى سعة "المواطنة" التي تعيد صياغة العلاقة بين القمة والقاعدة.
تعتمد الشرعية في مشروعنا الوطني على تقديم العراق كأولوية مطلقة تتعالى على كافة الانتماءات الفرعية، وهي شرعية لا تتحقق بالشعارات، بل بالالتزام الفعلي بمبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية المالية المطلقة ورفض التبعية للخارج، ليكون القرار نابعاً من مصلحة الداخل العراقي حصراً. كما نعيد تعريف "الأغلبية" لتكون "الأغلبية المدنية الصامتة" العابرة للمكونات، والتي تضم القوى الكردية المدنية المؤمنة بالمواطنة، والتكنوقراط من أكاديميين وقانونيين وأطباء يقودون الدولة بمعايير الكفاءة لا الولاء، لضمان تمثيل جغرافي ومهني يغطي الخارطة الوطنية بصدق.
وفي مواجهة "الصنمية الحزبية" التي اختزلت الدولة في شخوص الزعماء، يتبنى مشروعنا مبدأ القيادة الجماعية الموثقة بنظام داخلي يضمن توزيع الصلاحيات ومنع التفرد، مع وجود "مجلس حكماء" يعمل كصمام أمان قيمي وأخلاقي يسمح بصعود الكفاءات الشعبية المهمشة. إن هذا التوجه يكتمل بالدفع بمرشحين مستقلين يعبرون عن تطلعات الشارع، يتم اختيارهم وفق معايير صارمة تشمل المصداقية المهنية والارتباط الميداني بآلام المواطن في الخدمات والتعليم والعدالة الاقتصادية، مع ضمان استقلالهم التام عن أقطاب منظومة المحاصصة القائمة.
إن الجبهة الوطنية العراقية الموحدة لا تقدم نفسها كبديل رقمي في معادلة السلطة، بل كإطار وطني جامع يسد الفراغ السيادي ويسعى لاستعادة الدولة من براثن الشخصنة إلى رحاب المؤسسة الدستورية. ومن خلال حواراتنا القائمة على "الخطوط المقدسة" للوطن لا "الخطوط الحمراء" للأحزاب، نؤكد أن بناء الدولة المدنية التي تفصل بين استحقاق الدين ونفعية السياسة هو المسار الوحيد والآمن لضمان سيادة القانون ورفاهية المواطن وكرامة العراقيين جميعاً.