الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة بلا وسيط تنظيمي


ليث الجادر
2026 / 4 / 26 - 20:14     

لم تعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة تُختزل في بعدها العسكري، بل انتقلت فعلياً إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية من الداخل. فـ“هدنة إسكات النيران” لا تعني توقف الصراع، بل تحوّله إلى نمط ضغط اقتصادي طويل الأمد، حيث يصبح الحصار أداة لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع الإيراني، لا مجرد وسيلة لإضعاف الدولة.
في هذا الإطار، يعمل الحصار البحري وتقييد الصادرات النفطية على خلق حالة انكماش حاد لا تتوزع آثاره بالتساوي. فالأزمة لا “تضرب الجميع”، بل تعيد ترتيب مواقعهم. تتحمل الطبقات الفقيرة والوسطى العبء الأكبر عبر تآكل القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وانهيار وظيفة الطبقة الوسطى كحامل للاستقرار. ومع فقدان المدخرات وتزايد هشاشة العمل، لا تتوسع دائرة الفقر فحسب، بل تتآكل المسافة التي كانت تفصلها عن الطبقة الوسطى.
في المقابل، لا تتجه الطبقات العليا نحو الانكماش بالضرورة، بل نحو إعادة التموضع. فالحصار، بقدر ما يقيّد الاقتصاد الرسمي، يفتح المجال أمام اقتصاد موازٍ تستفيد منه شبكات مرتبطة بمراكز القوة. وهنا لا نشهد مجرد “استفادة” من الأزمة، بل تحولاً نوعياً في طبيعة البرجوازية نفسها: تراجع الفاعلين المرتبطين بالسوق المفتوحة، مقابل صعود فئات طفيلية تعتمد على الندرة والاحتكار، وغالباً ما ترتبط ببنى سياسية–أمنية قادرة على حماية هذا النمط من التراكم.
أما الطبقة العاملة، فتجد نفسها في موقع وسيط بين الانكماش والتعبئة. إذ يؤدي تراجع القطاعات المدنية إلى تقليص فرص العمل المستقرة، في حين يخلق الاقتصاد المرتبط بالمجهود الحربي فرصاً انتقائية لكنها مشروطة: أجور حقيقية منخفضة، كثافة عمل أعلى، واعتماد متزايد على اقتصاد موجّه. وبذلك، لا تُحل أزمة العمل، بل يُعاد تدويرها ضمن شروط أكثر قسوة.
غير أن هذا الوصف، على أهميته، يظل ناقصاً إذا لم يُطرح السؤال الحاسم: من يحوّل هذه التوترات الطبقية إلى فعل سياسي؟ هنا تظهر الفجوة البنيوية في المشهد الإيراني. فالتنظيمات القادرة على تمثيل المصالح الطبقية—من نقابات مستقلة أو أطر سياسية—إما ضعيفة أو مُحتواة أو مفككة. وبدلاً منها، تهيمن أشكال تعبئة مرتبطة بالدولة تعيد توجيه السخط ضمن خطاب “التلاحم الوطني” في مواجهة الخارج.
هذا الغياب للوسيط التنظيمي لا يعني تجميد التناقضات، بل يحدد مسارها. فالتوتر الطبقي، دون إطار يجمعه ويوجهه، لا يتحول إلى قوة تغيير، بل يتبدد في مسارات بديلة: اقتصاد ظل، استراتيجيات بقاء فردية، أو اندماج قسري في شبكات قائمة. وفي الوقت نفسه، يمنح هذا الفراغ للنخب الحاكمة قدرة أكبر على احتواء الأزمة، سواء عبر إعادة توزيع انتقائي للموارد أو عبر توسيع أدوات الضبط.
من هذه الزاوية، يمكن فهم استراتيجية “الضغط الأقصى” بوصفها رهانا على تفكيك الداخل عبر الاقتصاد. إلا أن هذا الرهان يصطدم بواقع أن غياب التنظيم المستقل لا يفتح الطريق بالضرورة أمام انفجار طبقي، بل قد يعزز أنماطاً أكثر صلابة من السيطرة، حيث تتحول الأزمة نفسها إلى مورد لإعادة إنتاج السلطة.
وعليه، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت الحرب ستقود إلى “ثورة طبقية”، بل ما إذا كان المجتمع يمتلك الأدوات التي تسمح بتحويل أزمته إلى مشروع سياسي. في ظل غياب هذه الأدوات، تبدو النتيجة الأقرب ليست الانفجار، بل إعادة تشكيل داخل البنية القائمة: تعمّق في التفاوت، صعود لفئات مرتبطة بالاقتصاد الموازي، واستمرار توتر اجتماعي بلا أفق تنظيمي قادر على بلورته.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة اللحظة في حجم الأزمة وحده، بل في انفصالها عن أي وسيط قادر على إعطائها شكلاً سياسياً—وهو ما يجعلها أزمة مفتوحة على إعادة إنتاج نفسها، أكثر من كونها مقدمة لتحول جذري.