ما العمل لبناء الامة المغربية يا ترى ...الانسان الفرد هو الاساس ..
محمد بودواهي
2026 / 4 / 22 - 04:56
ان الامة ليست مجرد تجمع بشري يعيش وسط حدود جغرافية مرسومة على خريطة ، و لا مجرد شعارات و اناشيد ترفع في الاعياد الوطنية و المناسبات التاريخية ، بل هي منظومة متكاملة و متراصة من العلاقات و القيم التي تخلقها عقول الافراد و تصنعها ضمائرهم . لذلك فالانسان الفرد الذي يبدو مجرد مواطن عادي و بسيط لا يكثرت له المجتمع و لا يلتفت له الشارع عندما تصدر عنه افعال مشينة ، فان افعاله السيئة تلك و طريقة تفكيره الفجة التي انتجت تلك الافعال و اخلاقه الفاسدة المسايرة لتلك السيرورة الفكرية تنعكس بدون شك على صورة الامة باكملها ، حيث ان تلك السلوكيات و الافعال هي قناعات قد يستهين بها الناس لكنها في الحقيقة تشكل روح المجتمع و عمقه الواقعي الرديئ .
ان اهمية سلوك الفرد في بناء الامة هي تلك القناعة التي يجب ان ترتكز على كون تلك الممارسة اليومية التي يقوم بها الانسان في شتى انواع اعماله و تصرفاته سواء في العمل او الشارع او المنزل اتجاه ابنائه و زوجته ، و اتجاه اصدقائه و العاملين معه في المؤسسة التي يشتغل فيها ، او حتى اتجاه كل من يصادفهم في المتجر و المقهى و الشارع و الشاطئ يجب ان تكون عبارة عن ممارسة محترمة و ناضجة و متخلقة تكون اهم خطوة فيها هي ترسيخ مبدا الكرامة الانسانية بوصفه قيمة عليا لا تقبل التجزئة ، و معاملة الناس على اساس انسانيتهم لا على اساس وظيفتهم او مكانتهم الاجتماعية ، و الا يمارس الظلم و لا الاعتداء و لا حتى ادنى سلوك الاهانات و التبخيس كالتي نشاهدها في كثير من الاحيان كسلوك عادي يمارسه الزوج اتجاه زوجته و ابنائه ، و يمارسه الاستاذ - الا نادرا - اتجاه تلامذته و متعلميه ، كما يمارسها بشكل افضع رب المعمل اتجاه مستخدميه و كل العاملين و الموظفين لديه في المؤسسة .
ان مثل هكذا ممارسات طيبة و محترمة و ناضجة ستكون بدون شك هي اولى الخطوات التي ستعمل على تكوين تلك الامة الصالحة ، تلك الامة التي نصادر رايها في الاختلاف و نحن نتحدث باستفاضة شديدة عن الحرية ، او تلك التي تسعى الى التقدم و الديموقراطية و نحن نخاف من تعددها الثقافي او الديني او الاثني ، مع ان التعددية هي ثراء و غنى و ليس تهديدا او كابوسا مخيفا . انه ذاك التنوع الذي اذا تم التعامل معه بشكل حضاري و تقدمي سيكون مصدر قوة و مصدر اندفاع الى الامام لا مصدر نزاع و صدام ، و هو الامر الذي سيحدث اذا تم استخدامه للتقليل من شان الاخر و من قيمته و بالتالي اقصائه و تهميشه كما حدث و لا زال يحدث في الكثير من الدول و المجتمعات و التي تعرف نتيجة لذلك اوضاعا مزرية و نكبات لا حصر لها و لا مثيل .
كما لا يمكن الحديث عن امة قابلة للرقي و التطور دون اثارة موضوع العدالة و التطرق الى كل مميزاتها الاساسية كضرورة لابد منها للحصول على مجتمع مستقر و وصفها بالعامل المركزي و كذا بالعمود الفقري لتثبيث كل ركائز الثبات و النجاح .
و العدالة ليست مجرد شعارات سياسية كثيرا ما تتردد على اذاننا في شتى انواع الخطابات ، بل هي سلوكا و ثقافة تتطلب نظاما قانونيا عادلا و ذاك الضمير الحي الذي يجعل الافراد يرفضون الظلم حيث ان القانون وحده لا يكفي اذا لم يكن مدعوما بثقافة اخلاقية محترمة ، و كذلك مبدا المساواة الذي يجب ان يكون اساس العلاقة بين افراد المجتمع اذ ان الامة التي تسعى للنهوض و الرقي لا يمكن ان تغض الطرف عن تلك الفوارق الفجة التي تتاسس على السلطة او على المال او حتى على الانتماء الطبقي ، بل يجب ان تفتح المجال امام جميع الفئات و مختلف الطبقات ( المفروضة سلطويا في المجتمع الطبقي الراسمالي الحالي ) لتثبيث قدراتهم و تحقيق ذواتهم ، لان تهميش اي طبقة او اي فئة من مختلف مكونات المجتمع يعني اهدار طاقات و تبديد جهود ممكن ان تساهم في بناء وطن .
و لعل قطاع التعليم ( و خاصة مادة الفلسفة التي هي ممنوعة و محاصرة في اغلب الدول العربية ) هو المكون الاجتماعي الذي تظهر اهميته لتحرير الانسان من القيود الفكرية و الاجتماعية البالية و المتخلفة حيث لا يقتصر على بناء المعرفة فقط ، بل هو الذي يبني الوعي و يؤسس للفكر النقدي و العلمي الذي يمكن الانسان من التمييز بين الصالح و الطالح و بين الصحيح و الخطا و بين من يدعو الى التقدم و الازدهار و السير الى الامام كما هو حال من يدفع بالحضارة و العلم و التدريس الى البحث و الاكتشاف و الاختراع ، و بين من يحمل معاول الهدم و يضر بمصالح الانسان و المجتمع عبر التشبت بالماضي و الدعوة الى اعادة كل السلوكيات و الممارسات و الافكار القديمة و البالية و الماضية حتى لو كانت في ظاهرها و في جوهرها ضارة و غير مفيدة كتلك التي تدعو الى التطرف و الارهاب و الى التكفير و التي تتحول الى اداة هدم ، و تنشغل باثارة الفتن و الترويج للعنف ، و الى الدعوة و العمل على محاربة كل القيم و الافكار الايجابية التي تدعو الى بناء المستقبل و خلق كل الشروط للدفع بالتطور الى الامام و السعي دائما الى ما هو احسن و الى تعزيز روح المواطنة و تكريس كل ما يدعو الى تركيز و تثبيث الديموقراطية و التقدم و التنوع و احترام الاخر مهما كانت درجة الاختلاف معه سواء على مستوى الفكر و الاصل و الجنس و الاثنية و غيرها .
و الاكيد انه اذا وصلنا الى هذه الدرجة من الوعي فاننا سنكون قد وضعنا الاساس الحقيقي لتلك الامة التي تعرف معنى السلام و ترتكز عليه في سياساتها الداخلية و الخارجية حيث الحضور الدائم للعدل و الغياب الكامل لمسببات الحرب ، و حيث الحرية تمارس كعمل مسؤول لا كفوضى و لا كشعارات جوفاء لا طائل منها ، و حيث تؤمن و تتاكد بان قوتها تكمن في جودة انسانها و في تحضره لا في عدد افرادها و لا في مستوى التسلح و العسكرة لديها كما هو الشان مع الاسف لما هو عليه الوضع حاليا على مستوى جميع الدول في كل العالم تقريبا .