ثورة الشريعة على الجمود وضمانات الدولة المدنية


مصطفى محمود مقلد
2026 / 4 / 19 - 20:54     

المتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية يدرك بجلاء أنها لم تأتِ لتكون قوالب جامدة تعزل الإنسان عن واقعه، بل جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد. وإذا كانت "القطعيات" في الشريعة تمثل الهيكل الثابت الذي لا يتغير، فإن المساحة الأكبر من معاملات الناس -خاصة في شؤون الأسرة- قد تُرِكت لمنطقة الاجتهاد المنضبط بالمصلحة، وهي المساحة التي تتأثر بالزمان، والمكان، وتغير طبائع البشر.
لقد وضع الله عز وجل أصولاً عامة للعلاقة الزوجية قائمة على "المودة والرحمة"، وتركت الشريعة تفاصيل إدارة هذه العلاقة عند النزاع لتقدير أولي الأمر والمشرعين بما يحقق العدل. إن وضع ضوابط قانونية تنظم ما سكت عنه النص ليس مجرد "حق" للمشرع، بل هو واجب ديني تفرضه قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فإذا كان حفظ النسل وحماية كرامة الإنسان واجباً، وكان هذا الحفظ لا يتحقق في عصرنا إلا بتقنين "الاستضافة" أو "توثيق الطلاق" أو "حق الكد والسعاية"، أصبح هذا التقنين ضرورة شرعية.
لا يمكن لعاقل أن يحكم في قضايا الأسرة بمعزل عن دراسة تحولات المجتمع. فالأسرة المعاصرة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية لم تكن موجودة قبل مائة عام.
الرؤية الاجتماعية: تقتضي أن يكون القانون مرآة للواقع، يراعي خروج المرأة للعمل، وتغير مفهوم الولاية إلى "المسؤولية المشتركة"، ويضمن ألا تتحول نصوص النفقة والحضانة إلى أدوات للضغط أو الانتقام، بل إلى وسائل تضمن استمرار الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي بعد الانفصال.
إن "مصلحة المحضون" هي المقصد الأسمى من الحضانة شرعاً. وهنا يبرز دور علم النفس الحديث ليفسر لنا معنى هذه المصلحة. فالمصلحة ليست فقط في توفير الطعام والمسكن، بل في الأمان النفسي والارتباط الوجداني بكلا الوالدين.
الرؤية النفسية: تدعو إلى استبدال نظام "الرؤية" التقليدي بنظام "المعايشة والاستضافة"، لأن حرمان الطفل من أحد أبويه قسراً هو "ضرر" منهي عنه شرعاً لقوله ﷺ: "لا ضرار ولا ضرار". إن الاستعانة بالخبراء النفسيين في قضايا النزاع الأسري ليس ترفاً، بل هو إعمال للمقصد الشرعي في حماية العقل والنفس.
إننا ندعو إلى صياغة قانون جديد للأحوال الشخصية لا يكتفي بالنصوص الفقهية الموروثة في "فروع" قابلة للاجتهاد، بل يستلهم من الشريعة روح العدل ومن العلوم الحديثة أدوات التطبيق.
إن تقييد المباح من أجل المصلحة العامة هو جوهر السياسة الشرعية. فمنع التعسف في استعمال الحق، وتنظيم الحقوق المادية المشتركة بين الزوجين، ووضع خطط والدية تربوية ملزمة، هي كلها إجراءات تتفق مع مقاصد الخلق وتلبي احتياجات العصر.
إن الشريعة الإسلامية بمرونتها قادرة على استيعاب كل تطور، والعيب ليس في النص الشرعي بل في الجمود عند فهم تاريخي معين لهذا النص. إن وضع رؤية حديثة تستند إلى العلوم النفسية والاجتماعية هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع سوي، تبدأ فيه العدالة من داخل البيت لتشمل المجتمع بأسره.