الرؤية العراقية من صراع الهويات إلى وحدة المشروع
أحمد فاضل المعموري
2026 / 4 / 18 - 10:48
مأزق الهويات المتصادمة.. قراءة في الواقع الاجتماعي
يعيش المجتمع العراقي اليوم حالة من "تضخم الهويات الفرعية"؛ فبين قومية (عربية، كردية، تركمانية، آشورية) ودينية ومذهبية (إسلامية، إيزيدية) وفكرية (علمانية، تراثية)، تحولت هذه الهويات من "تنوع إغناء" إلى "خنادق صراع". المشكلة ليست في وجود الهوية بحد ذاتها، بل في رغبة كل منها في السيادة على الأخرى، وهو صراع تغذيه أطراف مستفيدة تجعل من الهوية الفرعية "أداة سياسية" لا "انتماءً ثقافياً".
تجاوز منطق "الراعي والرعية" إلى "الدولة والمواطن"
لطالما ردد الساسة مقولة "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، وهي مقولة نبيلة في جوهرها الأخلاقي، لكنها استُخدمت سياسياً كشعار للمعارضة قبل الوصول للسلطة، وسرعان ما يتم التخلي عنها لصالح "صلاح الراعي" الشخصي لا المؤسسي. إن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من نظرية الوصاية التي تتعامل مع الشعب كقطيع يحتاج لراعٍ إلى نظرية المواطنة التي تتعامل مع الشعب كشركاء في العقد الاجتماعي، إن صلاح الراعي الحقيقي ليس في زهده الشخصي فحسب، بل في خضوعه للقانون وتمكينه للمؤسسات.
ملامح الرؤية العراقية للسنوات العشرين القادمة
لإيقاف مسلسل الدم وعدم الاستقرار الذي بدأ منذ عقود، يجب تبني ثلاثية متكاملة (سياسية، اقتصادية، اجتماعية ):
1.النظرية السياسية : تقوم على مبدأين، مبدأ الدولة المدنية ومبدأ المواطنة الدستورية.
أ-( الدولة المدنية ) : يجب ان يكون هناك فصل كامل بين الدين والسياسة ولا تدخل او تداخل بين الاثنين ، وانما الدين يكون ضمن النظرية الاجتماعية والمقنن ولا يبقى اسير اراء وفقهاء يمطون بالرأي أو القياس او الاحكام الالهية التي لا تستقيم مع المجتمع الذي يعيش واقع فكري جديد لا يتناسب مع الواقع الفكري الذي حكم رؤية الدين قبل الف واربعمائة سنة ماضية .
ب-(المواطنة الدستورية) : يجب أن تصبح "الهوية العراقية" هي الهوية العظمى، بينما تتراجع الهويات الأخرى لتصبح ثانوية وشخصية. السياسة القادمة يجب أن تقوم على "تمكين الأفعال لا الشعارات"، عبر مراجعة شاملة للتشريعات لتواكب التحديات البنيوية، وضمان أن الدولة خيمة للجميع، وليست غنيمة لفئة.
2.النظرية الاقتصادية (العدالة التوزيعية والإنتاجية): لا يمكن بناء استقرار سياسي بوجود خيرات تُهدر أو تُحتكر. يجب تحويل ثروات الدولة من "نقمة" تثير الصراعات إلى "نعمة" تُدار برؤية استثمارية للأجيال، تضمن الحقوق العامة دون تدنيسها بفساد أو محاصصة، وتفتح الأبواب أمام العراقيين في الداخل والخارج للمساهمة في بناء اقتصاد ما بعد النفط.
3.النظرية الاجتماعية (التصالح مع التاريخ) : بناء وعي جمعي يدرك أن الاستقرار والحرية صنوان. التصالح مع الماضي (بما فيه العهد الملكي وما تلاه) لا يعني البكاء على الأطلال، بل التعلم من دروس التآمر والفوضى لمنع تكرارها. الهدف هو "تصفير الأزمات الاجتماعية" عبر مشروع ثقافي يؤمن بأن قوة العراق في "وحدته المدنية" لا في "انقسامه المكوناتي".
العودة إلى الخيمة الواحدة
إن "الرؤية العراقية" المقترحة هي مشروع يمتد لعشرين عاماً، يهدف لضم جميع العراقيين، بمن فيهم الكفاءات المهجرة والمهاجرة تحت سقف واحد. إنها دعوة لنبذ "المتغطرسين" الذين يفرطون بحقوق المواطن لصالح مكاسب فئوية، والالتفاف حول مسار وطني يقدس الإخلاص في العمل كمعيار وحيد للوطنية. إن الهوية العراقية ليست مجرد بطاقة تعريف، بل هي "إرادة العيش المشترك" تحت سيادة القانون والعدالة الاقتصادية. هذا هو الطريق الوحيد لضمان استقرار مستدام ينهي مآسي الماضي ويؤسس لمستقبل واعد. لقد سئم العراقيون من حقن الدماء المستمرة؛ واليوم، البذرة التي نزرعها بتمكين "الخيرين" وأصحاب الكفاءة هي التي ستحدد ما إذا كان العراق سيستعيد دوره كقائد للحضارة، أم سيبقى أسيراً لصراعات الهوية التي لا تنتهي.