لمناسبة تقديم شيوخ عشائر الناصرية اعتذارا لهادي العامري
صوت الانتفاضة
2026 / 4 / 13 - 00:40
(ان العشائر، هي بحكم الضرورة التاريخية، المستغلة، وضحية الاحتيال عليها، والمخدوعة دائما وتجعل منها سماتها البطولية بالذات، التي تنبع من بدائية وجودها الاجتماعي، لعبة ممثلي القوى الحاكمة) جورج لوكاش
يذكر عالم الاجتماع الفذ عبد الجليل الطاهر في مقدمة ترجمته للتقرير السري الصادر عن الاستخبارات البريطانية للعام 1917، والذي أطلق عليه عنوان "العشائر والسياسة" ما نصه: "استطاع الإنكليز في نهاية سنة 1917 ان يؤسسوا قوات عسكرية قوامها افراد العشائر سموها "شبانة"- بعد ان قدموا لبعض الرؤساء والشيوخ الأراضي والأموال.... وقد نصب الإنكليز "صگبان العلي" رئيسا للشبانة في الناصرية سنة 1919". وقد ذكرت ايضا المس بيل في مذكراتها ما نصه: "وصار بإمكان هذا الشيخ او ذاك ان يخف بمشحوفه "الة نقل نهرية" في دجلة لمواجهة "كوكس"، كما صار بالإمكان دعوة من يسوء حظه منهم الى المقر العام ليٌقتص منه".
هذا كان أيام الاستعمار البريطاني في بداية القرن العشرين، شيوخ عشائر موالين تماما للسياسة البريطانية، وقد اتقن البريطانيين بشكل محترف اللعب بهذه الورقة، ونفذوا سياساتهم واداروا البلد بمساعدة أولئك الشيوخ؛ وقد استنسخ صدام تلك التجربة البريطانية أيام التسعينات، خصوصا بعد انتفاضة اذار 1991، لامتصاص الغضب لدى الناس، وبسبب الأوضاع المعيشية الصعبة، وقد نجح في ذلك الى حد ما؛ وأعاد التجربة "حرفيا" سيء الصيت والذكر القبيح عادل عبد المهدي أيام انتفاضة أكتوبر-تشرين 2019، فقد جمع شيوخ العشائر وطالبهم بتهدئة "أبنائهم".
بعد احداث 2003 واحتلال البلد من قبل القوات الامريكية، سار الامريكان على ذات النهج، فالحاكم "المدني" سيء الصيت والذكر بول بريمر، كان قد طلب مقابلة شيوخ العشائر في اول عام له في العراق، واخذ رأيهم بالسياسة التي يراد تنفيذها، فبريمر كان يعمل بالتزامن على خطين "شيوخ العشائر ورجال الدين"، حتى يفرض سيطرته الكاملة. ورغم فشل الاجتماع الأول الا ان الامريكان لم يقطعوا الامل بأولئك الشيوخ، وقد رجعوا لهم بعد سيطرة القاعدة على بعض المدن.
اما في مناطق الوسط والجنوب، فأن شيوخ العشائر تماهوا تماما مع الميليشيات، وقسم كبير منهم صاروا قادة ميليشيات بالإضافة الى مشيختهم العشائرية، فعند زيارتك لأحد مضايف المشايخ الجٌدد، فسترى صور قادة الميليشيات، فهؤلاء الشيوخ هم الأداة الطيعة بيد سلطة الإسلام السياسي، ناهيك عن مشاركتهم في اعتصامات ومظاهرات قوى الإسلام السياسي وميليشياتها، ومباركة افعالهم وسلوكياتهم.
قبل أيام تعرض هادي العامري قائد ميليشيا بدر الى موقف محرج في تجمع عشائري في مدينة الناصرية، فقد تم طرده ولم يسمح له بإلقاء كلمته؛ شيوخ العشائر قاموا بالاجتماع فيما بينهم، وبعدها القوا كلمة اعتذروا فيها من هادي العامري عما بدر من بعض افراد العشائر، واتفقوا على الذهاب لمقره في بغداد لتقديم الاعتذار بشكل رسمي.
هذا الموقف ليس غريبا على شيوخ العشائر، فهم يريدون الحفاظ على مناصبهم ومكانتهم العشائرية واعتراف الدولة بهم، بالإضافة الى الاكراميات والاعطيات والهبات التي توزعها الدولة وقادة الميليشيات، وهادي العامري اسم في هذه العملية السياسية، وبيده الخير والثروات، يعطي من يشاء، وقد يمنع عنهم تلك الاكراميات.
الطريف ان الناصرية تعاني من ازمة وقود خانقة هذه الأيام بسبب صراع بين مسؤولين من بدر والدعوة، هؤلاء اختلفوا على التقاسم والحصص، فأغلقت الكثير من محطات الوقود، وشيوخ العشائر يقدمون الاعتذار والولاء التام والطاعة لقادة الميليشيات.. هذا هو حال البلد.. ميليشيات+عشائر.
طارق فتحي