الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
جعفر حيدر
2026 / 4 / 11 - 23:31
بقلم / جعفر حيدر
شهد العراق في زمن عبد الكريم قاسم مرحلة تاريخية مليئة بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي شكّلت ملامح الدولة الحديثة، فقد جاء قاسم إلى السلطة بعد ثورة 14 تموز 1958، وهي لحظة فاصلة أنهت الحكم الملكي وأسست لجمهورية جديدة حملت معها آمالًا واسعة لدى الطبقات الشعبية والفئات المهمشة، وفي الوقت نفسه أطلقت سلسلة من الصراعات الحادة بين القوى السياسية المختلفة. فعلى الصعيد الاجتماعي، كان المجتمع العراقي يعيش حالة من التفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء، خاصة في الريف حيث سيطرة الإقطاع على الأراضي وانتشار الأمّية والفقر جعلت الفلاحين الفئة الأكثر حرمانًا. ولذلك كان صدور قانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين بداية لتغيير اجتماعي واسع، إذ أدى هذا القانون إلى تقليص قوة الإقطاع وإدخال الريف في مسار التحول نحو مجتمع أكثر مساواة، رغم أن التنفيذ لم يكتمل، إلا أنه خلق شعورًا عامًا بأن الدولة يمكن أن تكون إلى جانب الفقراء لأول مرة في تاريخ العراق الحديث. وفي المدن شهدت الطبقة الوسطى توسعًا ملحوظًا بفضل مشاريع الإسكان وارتفاع فرص العمل بعد تأسيس الجمهورية، فتدفقت موجات من سكان الأرياف نحو بغداد بحثًا عن التعليم والعمل، مما أدى إلى نشوء أحياء جديدة مثل مدينة الثورة والشعلة وغيرها، وهي أحياء أصبحت رمزًا لمرحلة انتقالية كان فيها المجتمع يتغير بسرعة أكبر مما تستطيع الدولة تنظيمه.
أما على مستوى الثقافة الاجتماعية، فقد شهدت تلك الفترة حالة من الانفتاح النسبي مقارنة بالعهد الملكي، حيث بدأت المرأة تأخذ حضورًا أكبر في التعليم والعمل، مدعومة بالقوانين التقدمية وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 الذي منحها حقوقًا جديدة وغير مسبوقة، مما أدى إلى تحولات في طبيعة الأسرة العراقية والعلاقات الاجتماعية. كما برزت الصحافة والنقابات والمنظمات الشعبية بشكل أكبر، وظهرت أصوات جديدة تعبّر عن التيارات السياسية والفكرية المختلفة، من الشيوعيين إلى القوميين والبعثيين، وكل تيار منها كان يسعى إلى جذب الشارع وفرض رؤيته على الدولة.
أما على الصعيد السياسي، فقد كانت السنوات الأولى من الجمهورية مشحونة بالصراع والتنافس بين قوى لها مشاريع متناقضة. فقد حاول عبد الكريم قاسم أن يوازن بين الضغط السوفيتي والغربي من جهة، وبين نفوذ القاهرة بقيادة جمال عبد الناصر من جهة ثانية، وبين التيارات الداخلية التي كانت تتصارع بشراسة على مستقبل العراق. فالشيوعيون، الذين وجدوا فرصة ذهبية بعد سقوط النظام الملكي، أصبحوا قوة جماهيرية مهمة، ودخلوا في علاقة متقلبة مع قاسم، إذ اعتمد عليهم أحيانًا لمواجهة القوميين، لكنه في نفس الوقت كان يخشى من تمددهم. وفي المقابل كان التيار القومي العربي، وخصوصًا البعثيون، يرون في مشروع قاسم العراقوي المستقل تهديدًا لمشروع الوحدة العربية، وكانوا يتهمونه بالانحياز للشيوعية، مما ولّد صدامات حادة ومحاولات انقلاب واغتيال. ومع تزايد التوترات بين هذه القوى، أصبح المشهد السياسي أشبه بساحة مفتوحة تتصارع فيها الأحزاب والمؤسسات والشارع، وكل طرف يسعى لإقصاء الآخر، بينما حاول قاسم أن يحافظ على توازن صعب بين الجميع، لكنه لم ينجح في بناء نظام سياسي مستقر أو مؤسسات قوية قادرة على احتواء هذا الاضطراب.
ولم يكن الوضع الأمني بعيدًا عن هذه الصراعات، فقد شهدت البلاد اضطرابات واشتباكات في الموصل وكركوك ومدن أخرى نتيجة التنافس بين القوى السياسية والقومية والطائفية. وفي الوقت نفسه كانت المؤسسة العسكرية تعاني من انقسامات عميقة بين الضباط، بعضهم مؤيد لقاسم، وبعضهم مؤيد للبعث، وآخرون يميلون للقومية العربية أو للشيوعيين، مما جعل الجيش نفسه جزءًا من الأزمة وليس جزءًا من الحل. ومع غياب الأحزاب الشرعية المنتخبة وعدم وجود برلمان فعّال، باتت القرارات تعتمد على قدرة عبد الكريم قاسم الشخصية على إدارة التناقضات، وهي مهمة أصبحت أصعب مع مرور الوقت.
وهكذا كانت الظروف الاجتماعية والسياسية في زمن عبد الكريم قاسم مزيجًا من الأمل الشعبي الكبير بالتغيير والتحرر، ومن التوتر السياسي الخطير الناتج عن صراع القوى المتنازعة على السلطة. فبينما حاول النظام الجديد إحداث ثورة اجتماعية من خلال الإصلاح الزراعي، ودعم الطبقات الفقيرة، وتمكين المرأة، وتنمية البنية التحتية، كانت الصراعات السياسية تتفاقم وتضعف الدولة وتُدخلها في دوامة من المؤامرات والانقسامات، إلى أن انتهى الأمر بانقلاب شباط 1963 الذي أطاح بقاسم وأغلق فصلًا مهمًا من تاريخ العراق. لقد كانت تلك المرحلة، بكل ما فيها من تناقضات، نقطة تحول حقيقية في المجتمع العراقي، جمعت بين أحلام العدالة الاجتماعية وبين الصراعات التي لم يتمكن النظام من ضبطها، مما جعلها فترة غنية بالدروس التي لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.