الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار


جعفر حيدر
2026 / 4 / 10 - 21:35     

بقلم / جعفر حيدر
إنَّ الفن الشيوعي العراقي يشكّل إحدى أكثر التجارب الثقافية ارتباطًا بالبنية الاجتماعية والسياسية التي مرّ بها العراق منذ بدايات القرن العشرين، إذ لم يكن الفن في التجربة الشيوعية مجرد مساحة جمالية أو انعكاسًا ذاتيًا لذائقة الفنان، بل كان مشروعًا أيديولوجيًا متكاملًا، يسعى إلى إنتاج صورة للواقع تُظهر ملامح الطبقات، وتُبرز صراعها، وتُعيد تشكيل وعي الجمهور بطريقة تتناغم مع المبادئ الماركسية التي تهدف إلى تفكيك بنية الاستغلال؛ ولذلك فقد ظهر الفن الشيوعي العراقي بوصفه امتدادًا طبيعيًا للحركة العمالية وصعود الوعي الطبقي في المدن العراقية، خصوصًا بغداد والنجف والبصرة وكركوك، حيث تركزت فئات العمال والمثقفين الذين وجدوا في الفن وسيلة لخلق خطاب جديد يواجه السلطة التقليدية ويقدّم بديلًا ثقافيًا متحررًا من الهيمنة الإقطاعية والبرجوازية، وفي هذا السياق تحوّل الفن من كونه نشاطًا نخبوياً إلى منصة جماعية تكشف حقيقة الاستغلال وتنقل أصوات المهمشين، فصار الفنان الشيوعي يتعامل مع اللوحة والقصيدة والمسرحية والنحت والملصق السياسي بوصفها أدوات نضال وليست أدوات زينة، إذ إن الفن الشيوعي العراقي تأثر بشدة بنظريات الواقعية الاشتراكية التي نشأت في الاتحاد السوفيتي، لكنه أعاد صياغتها بطريقة عراقية خالصة، ممزوجة بتراث الرافدين وبالألوان الشعبية والأساطير القديمة لتقديم خطاب بصري عميق الجذور ومشحون بالرموز.
لقد اعتمد الفن الشيوعي العراقي على مبدأ كشف التناقضات الاجتماعية، فكانت اللوحات تبرز معاناة العمال في المصانع، والفلاحين في الحقول، والسجناء السياسيين في الزنازين، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن الذين يقاتلون ضد الظلم، وكان الرسم، بشكل خاص، أداة رئيسة في ذلك؛ حيث لجأ الفنانون إلى تفاصيل وجه العامل وغبرة جسده وتعبه اليومي ليجعلوا من اللوحة وثيقة صامتة تصرخ بوجع الإنسان، ومن أبرز الفنانين الذين ساهموا في صياغة هذا الاتجاه هم الفنانون الذين حملوا همّ الطبقية على أكتاف أعمالهم مثل فائق حسن، جواد سليم، شاكر حسن آل سعيد، كاظم حيدر، فيصل لعيبي، وغيرهم ممن لم يكونوا جميعًا منتمين رسميًا للحزب الشيوعي، لكنهم كانوا يحملون روح اليسار ووعيًا نقديًا تجاه السلطة، فصار الفن لديهم أقرب إلى سلاح جميل، يوصل الفكرة دون شعارات مباشرة، بل عبر جماليات الواقعية التي تُظهر حياة الناس بما فيها من قهر وكرامة، وهذا ما جعل اللوحة الشيوعية العراقية تختلف عن اللوحة الدعائية الخشبية أو الپروپاگندية الجامدة، فقد احتوت على إنسانية أكبر، وعلى انحياز واضح للطبقات الفقيرة دون أن تفقد عمقها الفني.
أما الفن الداعم للشيوعية، سواء داخل العراق أو في محيطه الإقليمي، فقد اتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين الملصقات السياسية والمسرح الثوري والشعر الشعبي والغناء الاحتجاجي، حيث تحولت الجداريات والرسوم إلى الصوت الصامت للشارع، يظهر فيها العامل مرفوع الرأس، واليد الممسكة بالمطرقة، والفلاح الذي يرفع سنبلة القمح بوصفها رمزًا للعدالة الاقتصادية، كما أن المسرح العراقي الذي قاده اليساريون، أمثال فرقة المسرح الفني الحديث ويوسف العاني وقاسم حول وعاطف علي وغيرهم، لعب دورًا مركزيًا في ترويج الوعي الطبقي، فقد كان المسرح بالنسبة للشيوعيين ساحة مواجهة فكرية مباشرة، يُقدَّم فيها نقد للسلطة السياسية، وكشف للفساد والاستغلال، وتوعية للجمهور بما يعانيه من ظلم، أما الشعر، وخاصة شعر مظفر النواب، فقد شكّل الصيغة الأكثر ثورية في التعبير الفني، حيث امتزجت الكلمات بالغضب، وتحوّلت القصيدة نفسها إلى صوت سياسي يهتف من داخل الوعي الجمعي بأن الإنسان لا يمكن أن يتحرر إلا إذا كسر قيوده وامتلك وعيه الطبقي، وهكذا أصبح الشعر الشيوعي العراقي جزءًا من الهوية السياسية للأجيال التي خاضت النضال ضد الأنظمة الاستبدادية.
وفي مجال الملصقات السياسية، والتي كانت تُعد إحدى أقوى أدوات اليسار في الخمسينات والستينات والسبعينات، فقد لعبت دورًا مهمًا في إيصال الرسائل بسرعة وفعالية، إذ كانت الشوارع تمتلئ بصور العامل والفلاح والمرأة الثائرة، وكانت هذه الملصقات، رغم بساطة وسائل الطباعة، تحمل رسائل شديدة العمق، مثل الدعوة إلى التضامن، أو فضح الاستغلال الطبقي، أو الحث على الإضرابات، ومن المعروف أن الحزب الشيوعي العراقي قد استخدم الفن ليس فقط للدعاية السياسية، بل لبناء “وعي جمالي طبقي” يرسّخ فكرة أن الفن ليس حكرًا على الطبقات العليا، بل حق للجميع.
ومن الجوانب المهمة أيضًا في الفن الداعم للشيوعية هو تحوّل المرأة إلى عنصر بصري ورمزي مهم في الخطاب اليساري العراقي، فقد ظهرت المرأة لا بوصفها كائنًا خاضعًا، بل بوصفها فاعلًا في عملية التغيير، عاملة، مقاتلة، أمًا، ومعلمة، وقد ساعد هذا التمثيل الفني للمرأة على تقديم نموذج اجتماعي جديد بعيد عن الصورة التقليدية التي فرضها المجتمع الذكوري والإقطاعي، وبذلك أصبح الفن أداة لتحرير الوعي النسوي تمامًا كما هو أداة لتحرير الوعي الطبقي.
كما تجدر الإشارة إلى أن الفن الشيوعي لم يكن مجرد حركة فنية، بل كان بنية ثقافية متكاملة تصطدم بالسلطة السياسية في فترات متعددة؛ فالأنظمة المتعاقبة كانت ترى فيه خطرًا لأنه يحرّض على الوعي ويكشف الفساد، ولذلك تعرّض كثير من الفنانين للملاحقة والسجن وحتى الإعدام، لكن رغم ذلك ظل الفن الشيوعي قادرًا على الصمود، وظلت أعماله تنتشر سرًا وعلانية، فكانت بعض اللوحات تُهرّب، وبعض الكتب تُطبع بليل، وبعض القصائد تُنقل شفهيًا، وهذا يؤكد أن الفن الشيوعي لا يعيش في القاعات، بل يعيش في الذاكرة الشعبية حيث يجد جذوره وأرضه الحقيقية.
ويمكن القول إن الفن الشيوعي العراقي اليوم يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الثقافية للشعب، لأنّه وثّق لحظات الانكسار والانتصار، ولحظات الفقر والتمرّد، ولأنّه انحاز للإنسان البسيط، ولأنّه لم يهادن السلطة، ولأنّه بقي وفياً لمبدأ أن الفن الحقيقي يجب أن يكون منحازًا للمظلوم، وأن الجمال لا يكتمل إلا إذا كان جزءًا من النضال الاجتماعي، وهكذا أصبح الفن الشيوعي، بكل أشكاله، إحدى أهم ركائز الثقافة العراقية الحديثة، ليس فقط كخطاب يساري بل كجزء من الهوية الجمالية للأمة، وكذا أصبح الفن الداعم للشيوعية مدرسة فكرية وجمالية تقاوم النسيان، وتُذكّر الأجيال بأن الفن يمكن أن يكون ثورة صامتة أقوى من ألف خطاب.