لماذا تراجعت إيران وأمريكا عن خيار الدمار الشامل؟
ناجح شاهين
2026 / 4 / 9 - 13:55
سهر الناس في "الشرق الأوسط" حتى الثانية صباحاً ترقباً وتحسباً لقصف أمريكي/اسرائيلي لا مثيل له على إيران يقابله قصف إيراني هائل باتجاه اسرائيل وحلفاء/أقمار أمريكا في الخليج. فجأة تمكن الباكستانيون من ردم الهوة وتقريب المسافات وصولاً إلى هدنة أسبوعين المخالفة لاستراتيجية إيران المرتكزة على فكرة إنهاء الحرب تماماً. بعد ذلك تلا رئيس وزراء باكستان نص اتفاقية الهدنة الشاملة لحلفاء أمريكا وإيران على السواء المصوغة في بكين بحسب وول ستريت جورنال.
لم تنكر وزارة الخارجية الصينية كلام بعض المسؤولين الإيرانيين، وكلام ترامب نفسه حول دور الصين في إقناع إيران بهدنة الأسبوعين. كان الموقف الإيراني واضحاً لا لبس فيه: لن نقبل أية هدنات مؤقتة، ونريد التزاماً أمريكياً صريحاً بإنهاء الحرب على نحو شامل وكامل ودائم. وإذا كانت أمريكا تريد الدمار في كل مكان فنحن جاهزون للشهادة والتضحيات ودفع الأثمان الضرورية.
لكن ذلك أرعب الصين تماماً؛ ذلك أن معناه توقف نفط إيران ونفط الخليج كله إلى زمن لا يعلمه إلا الله. وفي سياق ذلك يمكن أن يلحق باسرائيل أذى كبير وخطير. لكن ذلك كله لن يؤثر على الولايات المتحدة التي تعد اليوم المنتج الأول للنفط في العالم، بينما يمكن للعديد من عجلات الإنتاج الصينية أن تتوقف عن العمل نهائياً. وهكذا كان لا بد أن تبذل الصين جهدها من أجل ثني الإيراني عن المضي في التحدي حتى الرمق الأخير. لكن ما الثمن الذي دفعته الصين لقاء ذلك؟ نستطيع أن نتخيل أن مزيجاً من الوعود بالمساعدات التقنية والعسكرية والمشاركة في إعادة البناء قد تعهدت به بكين على نحو صريح وجاد، لأن طهران لن تقدم هدية بهذا الحجم لبكين بدون مقابل، خصوصاً أن الصين تسلك مع أقرب الأقرباء، ونعني هنا كوريا الشمالية، على قاعدة المصالح المتبادلة بعد أن سقطت إلى الأبد معادلات الإخاء الشيوعي التي ميزت زمن ماوتسي تنغ ونموذج الدعم غير المشروط كما تجسد في الحربين الكورية والفيتنامية.
لكن إذا كان الإيرانيون قد تراجعوا بسبب الضغط الصيني، فما الذي دفع ترامب إلى ذلك؟
يرى ريتشارد كوك وهو موظف سابق لدى إدارة كارتر وناسا ووزارة المالية أن تهديداً من وراء الكواليس قد جاء من فلاديمير بوتين فحواه أن روسيا الاتحادية قد ملت من السلوك الأمريكي المستهين بالآخرين، وأنها مستعدة إلى الذهاب بعيداً باتجاه استخدام الأسلحة النووية إذا كان ترامب يصر على فرض الأمر الواقع في كل مكان باللجوء إلى القوة العارية. وقد بدا واضحاً أن ترامب قد بدأ يعاني بالفعل داخلياً وخارجياً مع نشاط نانسي بيلوسي وغيرها باتجاه تقديم طلب للشروع في إجراءات عزله. وفي الخارج شرع أشخاص بأهمية البابا ليو في انتقاد العدوان غير المسوغ على إيران، ووصل الأمر أن تصطف فرنسا تقريباً مع روسيا والصين في مواجهة مشروع قرار مجلس الأمن البحريني،الأمريكي المنشأ، بما أوضح أن أمريكا تعاني عزلة غير مسبوقة في تاريخها منذ عبرت الأطلسي منتصف القرن العشرين.
لعب الإيراني أوراقه بحكمة وشجاعة، ومزج بين المقاومة العسكرية والسياسية بما أضعف وضع ترامب وأمريكا على السواء، كما كشف حدود القوة الأمريكية بشكل يذكر بانكشاف حدود القوة الروسية في مواجهة أوكرانيا. غني عن البيان أن طهران ستكون الرابح الثاني في هذه المواجهة الاسترايتجية بالنظر إلى أن اللاعب الصيني الهادئ هو الرابح الأول من ترنح الهيمنة الأمريكية بعد وميض عابر رافق اختطاف مادورو والسيطرة على النفط الفنزويلي.