قانون إسرائيلي يشرعن اغتيال الفلسطينيين
سعيد مضيه
2026 / 4 / 9 - 11:46
يرى بينوي كامبمارك، الباحث السابق ببرنامج الكومنولث بكلية سيلوين، في كامبريدج، والمحاضر حاليا بجامعة RMIT، ملبورن، ان تنفيذ القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي بمثابة جريمة حرب، وينطوي على مخاطر جمة، حيث "يجيز للمحاكم العسكرية ذات الاختصاص إصدار عقوبة الإعدام حتى في غياب طلبٍ من النيابة العامة، وتصدر الأحكام بالأغلبية البسيطة. وبتساهل مشين، يستمر النظر في قضايا المواطنين الإسرائيليين المسؤولين عن قتل الفلسطينيين طبقا للنظام القضائي المدني الإسرائيلي".يغفل الأكاديمي الباحث كون إسرائيل دولة احتلال يسقط حقها في الدفاع عن النفس بالمناطق التي سينفذ فيها حكم القانون الجديد.
جاء في مقال الأكاديمي كامبمارك المنشور في 7 نيسان /أبريل الجاري :
في مارس/آذار، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانون العقوبات (قانون معدل - عقوبة الإعدام للإرهابيين)، وهو قانون يُوسّع نطاق استخدام عقوبة الإعدام في الجرائم ذات الطابع الإرهابي. كانت عقوبة الإعدام موجودة سابقًا في القانون الإسرائيلي لجرائم الحرب، ولكنها أُلغيت عام 1954 عن الجرائم العادية في زمن السلم. من الناحية الفنية، بقيت هذه العقوبة سارية في الجرائم المرتكبة ضد الشعب اليهودي(تم تنفيذ العقوبة بموجبه بحق أيخمان)، والجرائم ضد الإنسانية، وبعض حالات الأحكام العرفية.
يُعرّف القانون الجديد بأنه يهدف إلى فرض عقوبة الإعدام "في سبيل مكافحة الإرهاب" على من نفّذوا هجمات مميتة، وذلك بقصد حماية دولة إسرائيل ومواطنيها والمقيمين بها، وتعزيز "الردع"، ومنع الهجمات المنطوية على احتجاز رهائن، والقصاص، وتحديد "آليات تنفيذ هذه العقوبة".
كذلك فأن الغرض من هذا القانون التمييز بشكلٍ سافرٍ ومُشين، إذ يفرض عقوبة الإعدام على القتل العمد لشخصٍ بقصد "إنكار وجود دولة إسرائيل". ويُلزم القانون بالإعدام شنقاً، ويُقيّد حقّ المُدان في الاستعانة بمحامٍ، ويُقيّد زيارات أفراد أسرته بشكلٍ كبير. (وتتسم قائمة المسموح لهم بالزيارة بالسلطوية والتشاؤم: ضباط السجون، رجال الدين المُعتمدون، الزوار الرسميون، والمُصرّح لهم من قِبل الوزير، والمحامون، والأطباء). كما يُحدّ القانون من المساءلة بتقليل الرقابة الخارجية، ويمنح الحصانة للمسؤولين عن تنفيذ الإعدامات.
والقانون يتعمد أيضا إيجاد إطارين للقانون؛ حيث تنفذ عقوبة الإعدام بالضفة الغربية المُحتلة، وتستثنى القدس الشرقية التي ضمت لإسرائيل بصورة غير شرعية. يجوز للمحاكم العسكرية ذات الاختصاص إصدار عقوبة الإعدام حتى في غياب طلبٍ من النيابة العامة، ولا تصدر احكام المؤبد إلا في ظروف خاصة غير محددة، وتصدر الأحكام بالأغلبية البسيطة. وبتساهل مشين، يستمر النظر في قضايا المواطنين الإسرائيليين المسؤولين عن قتل الفلسطينيين طبقا للنظام القضائي المدني الإسرائيلي.
هذا التطور الأخير ينذر بأخطار للفلسطينيين، في ضوء النسبة المذهلة للإدانة، إذ تبلغ نحو 99.74% ممن توجه لهم التهم واستمرار احتجاز 9500 سجين، بينهم 350 طفلاً و73 امرأة، اعتبروا "مقاتلين غير شرعيين" ويُحتجزون بدون محاكمة. بالمقابل، بين عامي 2005 و2024، يمكن التأكد من ان نسبة الإدانة لا تقارب ال 3بالمائة للإسرائيليين الذين حوكموا على جرائم ارتكبوها بالضفة الغربية.
أثناء مناقشة مشروع القانون، كان البعض من أعضاء الكنيست يفدون الى المجلس وسط صخب وهم يضعون دبابيس ذهبية على شكل أنشوطة. كان أعضاء حزب عوتسما يهوديت الأكثر إثارة للجدل في هذا الشأن، حيث أشار وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير إلى "التزامهم بالمطالبة بعقوبة الإعدام للإرهابيين" وإرسالهم "رسالة واضحة مفادها أن الإرهابيين يستحقون الموت". كما استخف بمعارضة نقابة الأطباء الإسرائيلية لمشروع القانون ووصفها بأنها حساسية مفرطة لا داعي لها، خاصةً بعد أن تلقى "مائة مكالمة من أطباء يقولون: إيتامار، أخبرنا متى فقط". هذا يعني ان قسم أبقراط خارج إطار القانون.
أثار هذا التصرف غير اللائق غضب زعيم المعارضة يائير لابيد، الذي القى المسئولية في اجتماع لكتلة يش عتيد بصدد نماذج "الدبابيس على شكل انشوطة تنتشر في جميع أنحاء العالم وتلحق أضرارًا يصعب وصفها". أما يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، فقد رأى في هذه اللفتة مثيرة للاشمئزاز الشديد. "عندما تتعامل حكومة مع صور الموت لإظهار القوة، فإنها لم تعد تحارب الإرهاب؛ بل تعرض مقدمات الديكتاتورية." فإذا كانت هذه بروفة، فقد غدت ممارسة شائعة.
ادلى آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط لمنظمة هيومن رايتس ووتش، بتقييم متشائم للقانون: "يزعم المسؤولون الإسرائيليون أن [...] فرض عقوبة الإعدام يتعلق بالأمن، لكنه في الحقيقة يوطد دعائم التمييز وازدواجية النظام الحقوقي؛ كلاهما سمتان صارختان للأبارتهايد. عقوبة الإعدام لا رجعة عنها وقاسية. وأذا اضفنا القيود الصارمة على الاستئناف والتنفيذ في غضون تسعين يوما، فإن هذا القانون يستهدف قتل المعتقلين الفلسطينيين بأسرع من ذي قبل وأقل حرصا".
وكذلك إريكا غيفارا-روساس، كبيرة المديرين بقسم الدراسات والدعاية والسياسات والحملات بمنظمة العفو الدولية، نددت بالقانون المعدل ليس فقط لكونه قاسيًا وتمييزيًا ومُزدريا لحقوق الإنسان، إنما بالنظر كذلك لكونه أطاح ب "الضمانات الأساس للحيلولة دون التعسف في إزهاق الحياة وحماية الحق في محاكمة عادلة"، بينما يُمكّن في الوقت نفسه "نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، الذي يجري تدعيمه بعشرات القوانين التمييزية ضد الفلسطينيين".
هذه الدراسات الاستقصائية للقانون الشرس، إذ تدقق، لكنها تتجاهل احتمال أن تسهل إسرائيل ما هو أخطر بإصدارها مثل هذا التشريع؛ عبر عن ذلك فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إذ قال: "إن تنفيذ هذا القانون على سكان الأراضي المحتلة سيُشكّل جريمة حرب".
ليس هذا القانون سوى البداية لمسلسل إجراءات تُشير إلى نية إسرائيل فرض المزيد من القيود على المقاومة الفلسطينية لافتراسها كعقوبة المطاف الأخير. (يفعل بالكامل ويثبت قوانين سابقة مثل قانون قومية دولة إسرئيل لعام 2018، الذي شرعن التفوق اليهودي، وقانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل لعام 2003). على سبيل المثال طرحت لجنة الدستور والقانون والعدالة بالكنيست في 24 مارس/آذار، مشروع قانون المحاكم ("محاكمة المشاركين في أحداث مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول") إللقراءتين الثانية والثالثة، بموجبه تشكل محكمة قريبة الشبه بمحكمة عسكرية لمحاكمة الأفراد الذين شاركوا في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وستُمنح هذه المحكمة صلاحيات لا تقتصر على فرض عقوبة الإعدام، بل تشمل كذلك تكييف قواعد الإجراءات والأدلة في حالات "تعتبر ضرورية لإزالة اللبس عن الحقيقة وعن تحقيق العدالة". الحقيقة والعدالة يبدو انهما سوف تتم قراءتهما عبر المنظور المضبب بالعرق والدم.