ظاهرة التنوع المجتمعي : مرحلة عابرة أم ضرورة دائمة ؟!


ثامر عباس
2026 / 4 / 4 - 17:36     

ظاهرة التنوع المجتمعي : مرحلة عابرة أم ضرورة دائمة ؟


في المجتمعات التي تحكمها العصبيات والأصوليات ، هناك خطأ شائع بين الناس وهو الاعتقاد بان المجتمع السليم والخالي من المشاكل ، هو المجتمع القائم على (التشابه) الفكري و(التجانس) الاجتماعي و(التماثل) الإيديولوجي ، بحيث تنتفي - قدر المستطاع - مظاهر الاختلاف بين أفراده والتباين بين جماعاته . كما ويسود بين مكوناته تصور ان مظاهر الضعف البنيوي والتخلف الثقافي التي يعلني منها ذلك المجتمع ، ما هي إلاّ نتيجة لوجود (الاختلافات) الاجتماعية ، و(التنوعات) القومية ، و(التباينات) الدينية ، التي من شأنها زيادة (الخلافات) ومضاعفة (الصراعات) .
والحقيقة التي لا جدال حولها هي إنه لا يوجد مجتمع بشري على وجه البسيطة خال من تلك الاختلافات والتباينات والتنوعات ، باستثناء تلك الجماعات (الأبوية) القديمة الموغلة في البدائية التي عاشت في معازل صنعتها الطبيعة واستوجبتها الضرورة . وذلك من منطلق إن الكائن البشري مخلوق يحمل في كيانه جينات الاختلاف والتنوع والتباين ، بحسب الآية الكريمة التي تقول (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا"وقبائل لتعارفوا) . بحيث لا يوجد إنسان يشبه إنسان آخر ، ولا توجد جماعة تماثل جماعة أخرى ، ولا يوجد مجتمع يطابق مجتمع آخر ، لا في مجال اللون والشكل والملامح فحسب ، بل وفي مجال الوعي والتصور والإرادة كذلك . لا بل ان هذا الأمر الطبيعي يسري حتى على صعيد تكوين (الفرد) ذاته أيضا"، استنادا"الى سيرورات اختلاف وتنوع مراحل نموه البيولوجي وتطوره النفسي وتحوله الفكري ، ناهيك عن مجموعة التغيرات النوعية التي تطرأ على بنية علاقاته الاجتماعية ، ومنظومة ثقافاته الفرعية ، ونسق سياقاته التاريخية كذلك .
ولعل سائل يسأل ؛ أليست ظاهرة الاختلاف بين الأفراد والتباين بين الجماعات والتنوع بين المجتمعات ، هي ما يسبب كل تلك النزاعات الدموية ، والصراعات المميتة ، والحروب المدمرة ، نتيجة لنزعة (تفضيل) كل واحد منا لقوميته ودينه وثقافته على حساب أفراد القوميات والأديان والثقافات الأخرى ، الأمر الذي يجعل من التنازع والتصارع حتمية لا مفر منها ؟! . وللإجابة عن هكذا سؤال نقول : انه طالما كان الاختلاف والتنوع بين الجماعات والمجتمعات ، هو أمر (الهي) ملزم قبل أن يكون مطلب (بشري) مهم ، فان اللجوء إلى فضائل (الحوار) و(التفاهم) و(التوافق) بين تلك الجماعات المختلفة والمجتمعات المتنوعة ، يغدو هو السبيل الأنجع والطريق الأمثل ، ليس فقط لتجاوز تلك المنازعات والصراعات فحسب ، وإنما لإرساء قواعد إنسانية وحضارية تسهم في بناء مجتمعات تنعم مكوناتها وجماعاتها بالأمن والسلام والاستقرار . حيث يكون بمقدور هذه المكونات والجماعات الانخراط في سيرورات التطور الاجتماعي ، والازدهار الاقتصادي ، والارتقاء الحضاري ، عبر سبل التفاهم والتراكم بالشكل الذي تعود مكاسبه المادية ومنافعه المعنوية على الجميع ، دون استثناء لجماعة لصالح جماعة أخرى ، أو إقصاء لمكون لحساب مكون آخر .
وبرغم وجاهة الاعتراض الذي يتسلح بجملة من الوقائع الدامغة التي تفيد بأن ظواهر من مثل (الاختلاف) بين الاثنيات الأقوامية ، و(التباين) بين الأصوليات الدينية ، و(التغاير) بين الأرومات اللغوية ، طالما كانت بمثابة الصواعق التي فجرت العديد من الصراعات والمنازعات بين تلك الجماعات والمكونات المشحونة بالكراهيات العصبية ، والمعبئة بالسرديات الأسطورية ، التي لا تزال جروح ضحاياها نازفة ودماء عنفها ساخنة . نقول برغم ذلك ، فان هذه الوجاهة المزعومة سرعان ما تضمحل وتتلاشى أمام وهج الحقيقة السوسيولوجية التي مفادها ؛ ان شراسة العنف وضراوة القسوة التي تتآكل مظاهرها بنى المجتمعات (التعددية) ، لا تنبع من وقائع (التنوع) و(الاختلاف) الموجودة في صلب المجتمعات المعاصرة برمتها ، بقدر ما هي نتاج لاستثمار خاطئ لرموز تلك الاختلافات والتنوعات ؛ إما لأهداف سياسية / إيديولوجية ، أو لمآرب دينية / طائفية ، أو لأغراض قومية / أثنية ، أو لدواعي قبلية / عشائرية .
وكما هو الشأن مع كل ما هو (خصوصي) و(فريد) في تكوين الجماعات السوسيولوجية والمكونات الانثروبولوجية ، يراد استغلال قيمه واستثمار رموزه في أتون الصراعات السياسية والمناكفات الإيديولوجية ، فان كل ما هو طبيعي وشرعي في حياة المجتمعات السوية من مثل ؛ (الاختلاف) في الأصول ، و(التنوع) في المرجعيات ، والتباين في الثقافات ، و(التغاير) في اللهجات ، قابل – وبسهولة – للتحول من كونه لبنة في مدماك البناء الاجتماعي وداينمو في سيرورة تطوره الحضاري ، الى ما يماثل المعول في هدم ذلك المعمار وعائق في تعطيل تلك السيرورة ، وذلك بمجرد إزاحتها من خانة العناصر المؤسسة للكيان الاجتماعي الماضي في مسارات التطور الاجتماعي والاستقرار السياسي ، الى خانة العوامل المفككة للبنى التحتية ، والمقوضة للمنظومات الرمزية ، والمقطعة للروابط الإنسانية ، والهادمة للمعايير الحضارية .
أخيرا"يمكننا القول ؛ ان أس الشرور التي تعاني من ويلاتها المجتمعات (المتصدعة) و(المتشظية) ، لا تكمن فيما يعتقد بوجود ظواهر (الاختلاف) و(التنوع) و(التباين) التي هي من طبيعة الأجناس والشعوب والأمم ، بقدر ما يكون مصدرها (التسييس) المتعمد و(التأدلج) المقصود لكل ما تحمله من قيم وتمثله من رموز ، غالبا"ما تشكل أرصدة معيارية تلجأ إليها المجتمعات المأزومة لحل مشاكلها المستعصية واشكالياتها المتوطنة ، بعد أن أعيى الجهل جماعاتها وأعمى الطمع بصيرة مكوناتها من اللجوء الى الواقع المعيش للتماس الحلول المعقولة والركون الى التسويات المقبولة ، دون الانخراط في دوامات التطهير العرقي والتهجير الطائفي التي من شأنها الإضرار بمصالح الجميع وإلحاق الدمار بحضارة المجتمع .