من الملكية إلى الجمهورية: كيف غيّر الحزب الشيوعي مسار التاريخ؟
هيوا عمر
2026 / 3 / 30 - 18:40
نحتفي اليوم بذكرى تأسيس أحد أكبر الأحزاب السياسية وأكثرها تأثيرًا في تاريخ العراق والمنطقة، قديمًا وحديثًا؛ حزبٌ حافلٌ مساره بالصعود والهبوط، وبالنضال والتضحية، وبالإنجازات التي أسهمت في تعزيز السيادة لشعبي العراق وكردستان، ودفع عجلة التاريخ إلى الأمام.
إذا تأملنا الظروف التاريخية والسياسية التي أحاطت بتأسيس الحزب الشيوعي عام 1934، تتبدّى لنا الضرورات التاريخية التي أملت نشأته، وكيف جرى دمج النظرية بالتطبيق ضمن وحدة فكرية وسياسية متماسكة. فقد نمت بذور هذا الحزب في مرحلة كان فيها العراق يرزح تحت وطأة النظام الملكي ذي الطابع الرجعي، إلى جانب الهيمنة البريطانية. وفي الوقت ذاته، كان المجتمع يعاني من ركود البنية الإقطاعية، مع بدايات تبلور الطبقة العاملة. أما اقتصاديًا، فقد ألقت الأزمة العالمية في ثلاثينيات القرن العشرين بظلالها الثقيلة على البلاد، فانتشر الفقر المدقع على نطاق واسع.
إن تلاقي هذه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقرونًا بتأثير المد الفكري والأيديولوجي للحركة الشيوعية عالميًا، حيث تشكّلت أولى الحلقات الماركسية بين المثقفين منذ عشرينيات القرن الماضي، شكّل الأساس الموضوعي لولادة الحزب، الذي نحيي اليوم ذكراه الثانية والتسعين.
وقد أضفى انخراط الحزب في مقاومة الاحتلال البريطاني، ضمن مشروع التحرر الوطني، ورفعه شعار الخبز والحرية، ومطالبته بتوزيع الأراضي على الفلاحين، بعدًا عميقًا يجمع بين النضال الوطني والطبقي، وأسهم في بلورة هويته السياسية.
وكان الحزب الشيوعي أول قوة سياسية في تاريخ العراق تعمل على ترسيخ مفهوم حديث للمواطنة، إذ نجح في استقطاب آلاف الأفراد من مختلف المكونات، الأكراد والعرب والتركمان، والكلدان الآشوريين، والمسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة، ضمن برنامج فكري وسياسي واقتصادي، تمحور حول الإنسان بوصفه القيمة العليا، بمعزل عن الانتماءات الفرعية.
تأثير الحزب الشيوعي: من القاعدة الشعبية إلى قمة هرم السلطة
على الرغم من أن الحزب الشيوعي لم يتول السلطة في معظم مراحل تاريخه، أو لم يتح له ذلك، فإنه استطاع تحقيق جملة من الإنجازات المؤثرة لشعبي العراق وكردستان، امتد أثرها من القاعدة الشعبية إلى قمة هرم السلطة، ومن أبرزها:
1. مقاومة الهيمنة الأجنبية: اضطلع الحزب بدور ريادي في مواجهة النفوذ الأجنبي، وناضل من أجل إلغاء المعاهدات المجحفة، مثل معاهدة بورتسموث.
2. تغيير نظام الحكم: أسهم في إنجاح ثورة 14 تموز يوليو 1958، التي أنهت النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية.
3. القضية الكردية كان من أوائل الأحزاب التي تناولت هذه القضية بوضوح؛ ففي عام 1935 كان استقلال كردستان شعارا لصحيفته كفاح الشعب، كما أصدر عام 1944 أول صحيفة سياسية باللغة الكردية آزادي. وفي كونفرانسه الثاني عام 1956، اعتبر الكرد أمة لها الحق في تقرير مصيره.
4. الإصلاح الزراعي: واصل الحزب نضاله حتى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، الذي حد من نفوذ الإقطاع ووزع الأراضي على الفلاحين، واضعًا حدًا لأسس النظام الإقطاعي.
5. حقوق العمال: أسهم في تأسيس النقابات العمالية والدفاع عن الحقوق الأساسية، مثل تحديد ساعات العمل، والتأمين الصحي، وتحسين الأجور.
6. تأميم النفط: كان من أبرز الداعين إلى تشريع القانون رقم 80، للحد من سيطرة الشركات الأجنبية واستعادة السيادة الوطنية على الموارد النفطية.
7. قانون الأحوال الشخصية 1959: دعم إصدار قانون تقدمي منح المرأة حقوقًا متقدمة في قضايا الزواج والطلاق والميراث.
8. محو الأمية: نظم حملات واسعة لتعليم القراءة والكتابة، خصوصًا في الأرياف ومواقع العمل.
9. الحراك الجماهيري: قاد ونظم مئات التظاهرات والفعاليات الشعبية المناهضة للديكتاتوريات والانقلابات.
10. الحركة النسوية: أسهم في تأسيس رابطة المرأة العراقية عام 1952، وقدم أول وزيرة في تاريخ العراق والعالم العربي، الدكتورة نزيهة الدليمي، ضمن حكومة عبد الكريم قاسم.
11. تأهيل الشباب: شارك في تأسيس منظمات طلابية وشبابية، مثل الاتحاد العام لطلبة الجمهورية العراقية واتحاد الشبيبة الديمقراطي، التي أصبحت فضاءات لتأهيل كوادر سياسية وفكرية.
12. الحضور الثقافي: شكّل الحزب فضاءً جامعًا لعدد كبير من المثقفين والشعراء والفنانين، عربًا وكردًا، وأسهم في إثراء المشهد الثقافي عبر منابره الإعلامية المتعددة.
13. الكفاح المسلح: شارك في العمل المسلح ضمن الحركة الثورية، وأسهم في تشكيل قوات الأنصار في جبال كردستان منذ ستينيات القرن العشرين، ولاحقًا في مواجهة نظام البعث.
وعلى الرغم من هذا الإرث الحافل، لم تخل مسيرة الحزب من الأخطاء والنواقص. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، يواجه الحزب تحديات ومسؤوليات تاريخية متجددة. "ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة الجدلية بين النظرية والواقع؛ بحيث لا تعامل الماركسية بوصفها عقيدة جامدة، بل كمنهج تحليلي علمي يسهم في فهم الواقع واستشراف مهام اليسار في الحاضر، والعمل على تغييره؛ ليكون الحزب حزباً للماضي والحاضر والمستقبل."