يا مَنْ كُنتَ تُنادينا - سلاماً لصوتك الصادح
عصام محمد جميل مروة
2026 / 3 / 29 - 17:03
إبان مرحلة الشباب والعنف الثوري الذي كان حينها بمثابة بوابة العبور إلى ارجاء أوصال الوطن الذي ما إندملت عواصف حرب على هذا الشارع او ذاك فسرعان ما يفاجئك اندلاع إقتتال وحرب شوارع في مدينة وعاصمة قد لا تنام وربما جميع مَنْ يسكنها يستمع إلى الوسيلة الأسهل لمعرفة ما يدور ويُحاك من مؤامرات وما شاكلها نتيجة تتالي تنقل الحروب البعيدة قد تُصببنا والقريبة قد تطال الآخرين .
غنى عندليب مصر الاول عبد الحليم حافظ
"" صرخة صبية من الجنوب الغدر نازل ع الدروب
وقفوا الرجال زي الجبال سمع الصباح صوت السلاح "" .
لكن مساء ذلك اليوم الذي صادف انتقالي من منطقة البربير في المزرعة المتحف - القريبة من خطوط التماس وعلى حافة انقسام عاصمة الفن والادب والراديو والمسارح وكل ادوات الثقافة التي كانت من اهم عوامل مَنْ كتبوا ومن غنوا ومن لحنوا اغاني و اناشيد عن بيروت الصاحية التي لا تنام .
فكانت اذاعة راديو لبنان ومحطات اخرى تنقل كُلِ على هواه ما هو حديث وجديد من الاغاني التي كانوا يطلقون عليها اغنية الموسم .
في داخل سيارة السرفيس التي انطلقت بعدما تم عدد ركابها وكانت وجهتها ساحل المتن الجنوبي - او (( الضاحية الجنوبية )) اليوم ، حيثُ كُنا نقطن في منطقة بعيدة عن مستوى المناسب للمدينة الصاخبة فكان سكان حي السلم قد نزحوا من الجنوب ومن مناطق بعلبك الهرمل والبقاع المهمشة والموشحة في حرمانها الغير معقول ،بحثاً عن نقطة تناسب مقدرة السكان على استئجار غرفتين ومنافعهم كما يقولون. وهذا ما عانينا منه طيلة تواجدنا في منطقة حي السلم التي كانت بمثابة خلية من النحل التي تعج بالفقر والجوع والمرض من ناحية . ويبدو التقصير واضح من قٍبل الدولة التي لم تعترف او يتم اجازة هوية لتلك المنطقة . وكما ان العوامل المهمة كانت حافزاً في التحاق الشباب الذين دون برامج مستقبلية، وكان انتماؤهم علني للأحزاب والحركات الثورية التي اتخذت من المناطق تلك ايجاد مراكز ومكاتب متوزعة داخل حي السلم . والمناسبة هناك أخذتني بعيداً عندما كُنا نستمع ونصغي إلى راديو السارة وباعلي درجات الصوت فدخل إلى مسامعنا صوت كأنهُ يُعلن عن الانتساب إلى المقاومة والى مدرسة الثورة وبطريقة سهلة ممتنعه حسب كل مَن عقب على اغاني الثائر احمد قعبور البيروتي الذي احب وشعر أن الفقير الثائر الذي امتزج بكل جوارحه مع كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد في قصيدة الثورة التي رسمت معاني التصدي والوقوف بوجه الدبابات الإسرائيلية التي واجهت الجموع اثناء اعتراض على اقتلاع اشجار الزيتون المعمرة داخل قرى وبلدات الضفة الغربية للنهر .
فكانت صرخة "" أناديكم وأشدُ على اياديكم "" اكثر فعالية بصوت المطرب الذي طاف بنا من سيارة الأجرة ومناطق الفقر والبؤس إلى تحديد المُرام من منادات عالية الهمة والصوت والانفعال العلني لرحلة التضامن مع ابناء بلدنا المتلاحم لحوددنا الجنوبية فلسطين المحتلة .
ومن اجمل المقاطع في الاغنية التي احبها الفقراء والثوار
"" وابوس الارض تحت نعالكم "" وهنا قد يتسمر المُصغي إلى هذا الصوت الساحر الذي قد يتحول إلى رحلة غير مسبوقة في البحث عن الحقيقة لتلك الفئة من الناس الذين يستحقون أسلوب بوس الأحذية "" انهُ توفيق يوسف زياد - الذي استعار احمد قعبور كلمات كانت كفيلة في فتح كوة في جدار إختراق الأصوات وتقريبها إلى الناس عبر الأثير "" .
ولم ينتهي الموضوع هنا لا بل كانت اغاني الفنان احمد قعبور و بصوته المبحوح الثوري المغناج الذي خاطب كل فئات المجتمع البيروتي واللبناني لتسهيل فكرة الاقتناع بالأعمال الفنية وجعلها بمثابة رصاص ضد الكيان الصهيوني الغاصب على حدودنا وما بعد - بعد توسيم ترسيم الحدود.
وحينما احتل الصهيوني جنوب لبنان في عملية الليطاني كان خيار احمد قعبور اقوى وأعنف من سابقاته في اعتناق صيغة المقاومة فكتب رائعته الباسقة السامية حتى نالت اعجاب كل مَن تضامن مع اهالي الجنوب بعد رحلة الانتقال إلى العمق اللبناني بعد توسع الاحتلال .
"" يا رايح صوب بلادي دخلك وصلي السلام بلغ اهلي وولادي
مشتقلن رف الحمام ، سلي امي يا منادي بعد ممنوعة الاحلام وقلها اياما ببالي ،والله بتعز الاحلام ، ويا رايح صوب الليطاني دخلك وصلي السلام .صبح اهالي النبطية وطل شوية ع الخيام وقلا انه الحاج محمد مشتاق لاهله ورفقاته وبحي السلم ما اتهنوا شتاقت عينه لتراباتو "" .
وهذا النسق من التراتب في معني احتضان الفنان احمد قعبور كأنهُ كان يدرى ان مشاوير المقاومة لن تتوقف ،ولن تنحاز ،ولن تتغافل ،عن القيام بواجبها رغم التغييرَّات الكثيرة التي تدور الان في محور الرواية عن فن واغاني احمد قعبور الذي غلبهُ المرض منذ ايام ، ومن المؤكد ان الشعار الذي اتقنهُ في مراحل الاغنية وتعداد المواقع اللبنانية من الليطاني إلى الخيام إلى كفر متى إلى المنارة . فهي مشاهدات استعادها على فِراش المرض قبل استعداده للرحيل العاصف .
يا مَنْ كُنتَ تُنادينا - سلاماً لصوتك الصادح .
الذي وصل الينا عبر صوت راديو بيروت ولبنان وصوت لبنان العربي وكل المحطات التي كانت تنقل اخبار الاجتياحات وتضع في الفواصل وصلة من حنجرة الثائر احمد قعبور
حينما غني يا غضب و نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة
حطم قيدك اجعل لحمك جسر العودة .
في نهاية هذا الترجل العاجل نُعاهدك على متابعة المسيرة منذ البواكير في حزام الفقر والبؤس الذي لَفَّ جنوب العاصمة بيروت والنواحي حتى وصلت اصداء معاني أغانيك ولحنها الذي كَمَنْ يُطلق الرصاص ضد العدو الغاشم .
عصام محمد جميل مروة..
أوسلو في / 29 اذار - مارس / 2026 / ..