لأجل نهضة اليسار
أحمد زوبدي
2026 / 3 / 29 - 02:48
لأجل نهضة اليسار.
منذ الثورة الرقمية الجارية و انهيار النماذج الفكرية الكبرى ( الفكر الليبرالي، الفكر الماركسي، إلخ.)، وسيطرة البروباغندا الإعلامية للدول المسيطرة، وصعوبة بلورة وتطوير نموذج فكري بديل على الرغم من المجهودات الجبارة التي يبذلها المفكرون التحرريون، يعيش المفكر اليساري المتنور اليوم تهميشا غير مسبوق جعل صوته يبقى خافتا وغير مسموع، على أساس أن الفكر الذي لا يؤثر على المجتمعات ولا يغيرها، على الرغم من تطوره الهائل، يبقى فكرا ذي أهمية ضعيفة. هذا الوضع المؤسوف عليه أدى باليسار في النظرية والممارسة إلى الكثير من التشتت والانقسام إذ فقد تأثيره على المشهدين السياسي والاجتماعي، ذلك أن التغيير يمشي وفق التوفيق بين ما أبدعه اليسار على مستوى الممارسة في انسجام تام مع النظرية في الممارسة.
كيف اليوم العمل على إعادة بناء ونهضة اليسار ؟
أول عمل القيام به هو تفكيك النماذج الفكرية المتنورة وفي مقدمتها الفكر اليساري والتفاف اليسار المتنور والجدري حول هذا المشروع الطموح لإعادة بناء مدخل معرفي يجيب على مشكلات روح العصر من منظور يساري أي بلورة منظومات في ما يتعلق بتنظيم الهيئات الحزبية والنقابية والجمعوية فضلا عن بلورة برامج في مجال الاقتصاد والميدانين الاجتماعي والثقافي. هذه الترسانة في التنظيم وتوفير شروط التعبئة في كل المجالات يسمح ببناء القواعد الشعبية الغائبة تماما عوض الإذعان لخطاب المشاركة في الانتخابات، الذي لا يتجاوب مع خيار المساهمة في التغيير من الداخل.
الدعوة لتأجيل المشاركة في الانتخابات والعمل على إعادة بناء القواعد الشعبية ليس تبخيسا لهذا الاختيار. الدعوة لنهج هذا الاختيار ليس فقط تاكتيكا بل استراتيجية لمده بجسور التواصل مع القوى الإجتماعية المرشحة لتوفير شروط بناء سلطة مضادة. يتعلق الأمر هنا بالطبقات الاجتماعية الشعبية والفقيرة والعمال و الفلاحين والطبقة الرثة والشباب المهمش، إلخ، فضلا عن العمل على حشد قوي للمجتمعات الريفية والسكان الأصليين من أجل الأرض والهوية ومعارضة العولمة النيوليبرالية التي حولت المرفق العام والملك الجماعي إلى سلعة.
للتذكير، تقاعس بل تواطؤ جل المفكرين والسياسيين اليساريين في الغرب يقتضي تغيير المرجعيات الذي نادى به الكثير من العالمثالثيين الحقيقيين ( هناك عالمثالثيون مزيفون سواء من العالم الثالث أو في الغرب) وقتها والتي بقيت شبه حبر على ورق. هذا المشروع أي إحلال المرجعيات البديلة محل المرجعيات الغربية يقتضي من مثقفي الجنوب إعطاء أهمية كبرى للإنتاج الغزير في كل من أمريكا اللاتينيه و آسيا ( الصين و الهند خصوصا) والتجارب الثورية في هذه البلدان محل الاهتمام المبالغ فيه بما ينتج في الغرب، والذي غالبا لا يدرس مجتمعات الجنوب منطلقا من كليشيهيات المجتمعات الغربية التي لا تعكس مشاكل الأولى، مما يمنح التخلص من سيطرة الفكر اليساري الغربي، الذي تحول إلى فكر أحادي، فضلا عن انحيازه بشكل مبالغ فيه إلى ما أنتجته الحداثة والديمقراطية الليبرالة وثقافة الأنوار، في تغييب شبه كامل للحضارات غير الأوروبية. هذا لا يعني التخلص جملة وتفصيلا من فكر ماركس أو لينين أو غرامشي، مثلا، لكن العمل على ما أنتجه الفكر غير الغربي المشار أعلاه الذي اجتهد سواء من خلال الرجوع إلى فكر ماركس أو غيره من المفكرين التحرريين، أو عبر مرجعيات بديلة مرتبطة بواقع دول الجنوب. هذا يقتضي طبعا دراسة هذا الفكر غير الغربي التحرري شبه المغيب اليوم في الفضاءات الثقافية الغربية والفضاءات التابعة لها، منها الثقافة العربية وذلك بالعمل على تغيير معادلة تدفق العلم من الغرب إلى الجنوب بتوفير شروط مرور المعرفة من هذا الأخير في اتجاه الأول والفضاءات التابعة له. صحيح أن كثيرا من المفكرين الامريكولاتنيين تصدوا بجرأة كبيرة لهيمنة الفكر الغربي لكن في اعتقادي لم يتمكنوا من فك الارتباط بالمرجعية الغربية. حالة مدرسة التبعية التي يكون اقتصاديو هذه القارة أحد أعمدتها، نموذجا. ولهذا، لابد اليوم من العمل على إعطاء الأهمية لدراسة هذا المشروع الكبير والعمل على أن تفرض المرجعية غير الغربية معارفها حتى لا تبقى المرجعيات الغربية هي المسيطرة.
هذه بعض الأفكار، التي تحتاج إلى الكثير من البحث والتنقيب والنبش في حفريات النماذج الفكرية المتنورة وفي مقدمتها اليسارية والتجارب السياسية التحررية في إطار عمل جماعي كبير، لأجل بناء بديل تحرري يفتح الباب لقوى التحرر والتقدم للقيام بمهامها التاريخية أي بناء جبهة أممية لتغيير ميزان القوى وبالتالي تجاوز الرأسمالية المتهالكة التي تحولت إلى فاشستية، كما نرى اليوم في الحرب و الإبادة الجماعية اللذان تشنهما امبراطورية الفوضى الامبرياليوصهيونية من كل حدب و صوب على الأقطار التي ترفض سياسات الكيل بمكيالين والأمر الواقع.