مصير الحركة الإسلامية في عالمنا العربي
سامر بن عبد السلام
2026 / 3 / 28 - 08:30
سندرس في هذا النص مدى قدرة الحركة الإسلامية في عالمنا العربي على تجديد نفسها، بناءً على عملية رصد الواقع المادي والتحولات الطارئة عليه.
في تقديري، إن عودة الحركة الإسلامية للساحة السياسية أمر مرجح جداً، وذلك إذا ما أخذنا بالاعتبار النقاط التالية:
-إن تواصل تبعية بلداننا للمراكز الرأسمالية واشتداد الحرب الإمبريالية على بلداننا ودخولها في طور "الميتا-إمبريالية"، سيواصل ضرب بنيتنا الاقتصادية و هو ما يهدد الطبقة البرجوازية الصغيرة بانحدار فئات كبيرة منها نحو الطبقات الدنيا، وهو ما سينعكس على مستوى البنية الثقافية لهذه الطبقة المترددة و الخائفة من اي تغيير يهدد مكانتها من خلال مزيد التمسك بالفكر المحافظ الإسلامي، وهي الحاملة التاريخية له لإعادة إنتاج نفسها كطبقة متماسكة. اضف الى ذلك البروليتاريا الرثة، هذه الفئات المهمشة سياسيًا واقتصاديًا، لطالما وجدت نفسها خارج دوائر الدولة ومؤسساتها. لا صلة لها بالنخب، ولا تمثيل لها في آليات القرار. أمام هذا الإقصاء، ستلجا هذه القاعدة كما في 2011، الى الحركة الاسلامية التي تخاطبها بلغتها الرمزية والدينية. الفقير الذي لا يثق في عدالة الدولة، يجد عزاءه في العدالة الإلهية، ويتقبل بسهولة أطروحات سلفية تتحدث عن "الزكاة للفقراء" و"عدل عمر بن الخطاب" منجذبا إلى وعد إعادة بناء مجتمع إسلامي عادل على نهج السلف او النبع الاول على حد تعبير سيد قطب في كتابه معالم في الطريق
-إن اشتداد صراع الهوية —وهو حجر الأساس في الخطاب النيوليبرالي— يولد النقيض له وهو الفكر الإسلامي المحافظ. فمحاولة فرض أفكار مثل المثلية والنسوية الليبرالية وتقبل مختلف الهويات الجندرية هو مشروع يخدم الفكر الإسلامي أكثر مما يضره، نظراً لأن هذا الأخير يقوم أساساً على مسألة الهوية. بتعبير آخر، إن الهجمة على الهوية الإسلامية لبلداننا لن تكون أحادية البعد، بل ستولد صراعاً بين نقيضين: خطاب هوياتي نيوليبرالي وخطاب هوياتي إسلامي، وهو بالمناسبة يتوافق مع التحولات الطارئة على الكثير من أصدقائي من أبناء الطبقات المتوسطة والدنيا.
-ان شبابنا ليس في معزل عن الجرائم الصهيونية في غزة في محاولة لإبادة شعبها. لقد نشأ جيل كامل على هذه الإبادة ومشاهد الاستكبار الصهيو-أمريكي، ومع اتخاذ الحرب —التي هي طبقية أساساً— شكلاً دينياً،من المؤكد اننا سنشهد في قادم السنوات صعوداً قويا لتيار إسلامي راديكالي كردة فعل على ما حدث من تقتيل في حق الشعوب المستضعفةمن قبل اطراف دينية صهيو-مسيحية متطرفة، بل و يمكن ان يتطور المشهد ليتحول الى هيمنة الراديكالية الدينية على عالمنا اليوم مقاومة كانت او مهيمنة و هو ما سيعود بالنفع على التيارات الاسلامية في بلادنا العربية
-تقاطع الحس المشترك والوجدان الشعبي من جهة، وفئة هامة من التيارات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون، في الموقف من أحداث 7 من أكتوبر ومن الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية الجارية الآن. إن الإخوان المسلمين، وباعتبارهم يقدمون السياسي على العقائدي، نجحوا في تقدير المرحلة، وصرح مشايخهم وقياداتهم بالدعم المطلق لإيران وحتى بالتقارب السني الشيعي، وقبلها دعموا الحزب في جنوب لبنان في حربه ضد الكيان وتبنوا طوفان الأقصى كما انتبهوا إلى أدق التفاصيل، كيف لا وهم الذين ساندوا أسطول الصمود الذي يشرف عليه أطراف من خارج الدوائر الإسلامية؛ وهي مواقف لقت استحساناً كبيراً لدى الناس وأوحت بأن الإخوان يعبرون عن الوجدان الشعبي لا يعارضونه، على عكس السلفية العلمية مثلاً التي تقدم العقائدي على السياسي وتعتبر الشيعة كفاراً لا يمكن دعمهم، أو المداخلة الذين وقفوا ضد طوفان الأقصى وضد محور المقاومة.
-فشل الأنظمة البونابرتية العسكرية والبوليسية في تحقيق التنمية والنهوض ببلداننا، وهو ما سيؤدي —كما بيّنا من قبل— إما إلى استيعاب الغضب الشعبي و تواصل النظام البونابرتي ممثلا في قيادة جديدة، أو انهياره لصالح ديمقراطية برجوازية هشة سيكون الإخوان بلا شك المهيمنين فيها نظراً لهيكلتهم وقدرتهم التنظيمية والمالية مقارنة بباقي المنافسين.
الخلاصة
ما ذكرناه لا يعني أنه حتماً هناك موجة جديدة من صعود القوى الإسلامية، لكن ما أردنا التأكيد عليه هو أن الظروف المادية في بلداننا تمثل أرضية خصبة لهذا الصعود، والمسألة الآن تتوقف على:
أولاً: التفاعل الجدلي بين الذات والموضوع، أي بين الظروف المادية وحركات الإسلام السياسي، ومدى قدرة هذه الأخيرة على تحويل الظروف المادية إلى واقع سياسي.
ثانياً: مصير اليسار العربي ومدى قدرته على إعادة التموقع في الخارطة السياسية فعلياً وإبراز ثوريته وراديكاليته؛ فما نشهده اليوم —ولنأخذ على سبيل المثال اليسار التونسي— هو يسار ضعيف عاجز يصطف وراء أعدائه، حتى إن بعض مكوناته تصطف وراء الإسلاميين الذين نعتبرهم أعداءً، وليس هذا النص إلا رصداً للواقع الخطير واستشرافاً للكارثة قبل وقوعها.
ثالثاً: مدى دعم الإمبريالية لموجة جديدة من حكم التيار الإسلامي، أي المصلحة الإمبريالية في المنطقة