جدلية السياسي والاقتصادي: تونس ونظرية التطور المركب اللامتكافئ(2)


سامر بن عبد السلام
2026 / 3 / 27 - 14:18     

كما ذكرنا سابقاً، العامل الاقتصادي الأعلى هو طبيعة البنية الاقتصادية التي تحدد الاتجاه العام الذي يحكم سير المجتمع، والعامل الأدنى هو الذي يمثل مجمل أنماط الإنتاج المركبة اللامتكافئة التي تشكل هذه البنية. إن العاملين يشكلان مستويين يتفاعلان فيما بينهما في إطار البنية التحتية لأي مجتمع من مجتمعاتنا؛ فالأنماط تتحرك في إطار وفي اتجاه يخدم تماسك البنية ويدعمها، أما هذه الأخيرة فتحدد الحركة العامة لهذه الأنماط. لكن، هل إن هذه الصورة التي رسمناها للتفاعل ثابتة أم متغيرة؟ وما علاقة ذلك بلحظات الاستقرار النسبي والقطيعة الثورية التي تشهدها المجتمعات؟
لننتقل إلى نقطة أكثر تقدماً في التحليل؛ لسائل أن يسأل: ما هي البنية أو العامل الاقتصادي الأعلى وكيف نحدد طبيعتها؟
إن البنية أو العامل الاقتصادي الأعلى هو مجمل العلاقات الجدلية التي تربط مختلف أنماط الإنتاج (مع هيمنة نمط إنتاج معين على بقية الأنماط). أما ما يحدد طبيعة البنية الاقتصادية فهي عدة عوامل:
-التفاعل بين مختلف الأنماط داخل البنية
-طبيعة نمط الإنتاج المهيمن
-طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف داخل البنية موضوع الدراسة
لذلك، أي تصور لتثوير هذه البنية والقطع مع طبيعتها الكولونيالية لن يخرج عن المسار الذي يشتمل على الخطوات التالية:
-إعلان الحرب على نمط الإنتاج المهيمن
-قطع علاقة التبعية مع المراكز من خلال ضرب هيمنة الرأسمال الأجنبي، والانطلاق في بعث قطاعات صناعية منتجة في إطار مشروع وطني.
-تثوير علاقات الإنتاج مما سيؤدي إلى تصفية أنماط الإنتاج المتخلفة.
-عدم الاكتفاء بالبرنامج الأدنى ودمجه بالبرنامج الأقصى كلما أمكن ذلك، وهو ما سيمكننا من التأسيس لنمط إنتاج جديد وهو "الاشتراكي"، الذي سيكون في صراع حاد مع أنماط الإنتاج الأخرى إلى أن ينجح في تصفيتها ويتحول إلى النمط الذي سيحدد طبيعة البنية في المستقبل.
وهنا يتحول العامل الأدنى إلى محدد لتطور العامل الأعلى. لنتأمل متى يحدث هذا التحول؟
يحدث هذا التحول مع القطيعة الثورية وما تحدثه من تثوير لعلاقات الإنتاج. إذن، التفاعل بين العاملين داخل البنية التحتية محكوم بمرحلتي الاستقرار النسبي و القطيعة الثورية التي تطرأ على المجتمعات؛ ففي مرحلة الاستقرار يكون العامل الأعلى هو المهيمن في علاقة التفاعل، أما في لحظات القطيعة الثورية واشتداد الصراع الطبقي -والذي سيتحول إلى صراع بين أنماط الإنتاج- يتحول نتاج هذا الصراع إلى محدد للبنية الاقتصادية ككل، أي العامل الأعلى.
وربطاً مع ما قلناه سابقاً حول تفاعل الاقتصادي والسياسي، فإن التغيير الجذري على مستوى البنية السياسية -والذي يتمثل في تولي السلطة السياسية من قبل نخبة ثورية وتدمير جهاز الدولة القديم- يخلق بدوره تغييراً جذرياً على مستوى الفاعل الاقتصادي الأدنى، وهو ما سيؤدي بدوره إلى قلب موازين القوى على مستوى العلاقة الجدلية بين العامل الأدنى والعامل الأعلى لصالح الأول، والذي سيحدد -كما ذكرنا- حركة الثاني.