حلبجة ذاكرة تنزف وإرادة حياة لا تتوقف
عبدالرحمن محمد محمد
2026 / 3 / 25 - 15:20
لعلنا لن نبالغ عندما نقول: إن مجزرة حلبجة تعد واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ المنطقة الحديث، وحن نشهد الذكرى الثامنة والثلاثين للمجزرة التي ارتكبها نظام البعث العراقي يوم 16 آذار 1988. وقصفها بالأسلحة الكيمياوية، واستشهد خلالها نحو خمسة آلاف مدني كردي وأصيب ما يزيد عن عشرة آلاف ودمرت مدينة كاملة في لحظات.
وبينما لا تزال آثار الكارثة الإنسانية والصحية والاجتماعية حاضرة في حياة سكان حلبجة، ما يزال الجرح ينزف، والمأساة لم تنته بعد. وما تزال المخاطر التي تنذر بإمكانية تكرار مثل هذه المجازر قائمة في ظل الانقسام السياسي الكردي.
تفاصيل ما قبل الفاجعة
لا يمكن لأي كاتب أو محلل سياسي أو استراتيجي أن ينقل مدى الحقد والوحشية والشوفونية التي كان نظام البعث البائد يعامل بها الكرد في إقليم كردستان، ولعل كل ما مارسه من فظائع لم تشف غليله، فعمد إلى ارتكاب مجزرة أكبر وأروع، وأختار لها الوقت المناسب وهو قبيل عيد نوروز بخمسة أيام، أي 16 آذار 1988.
في ذلك اليوم أصدر الرئيس العراقي صدام حسين أوامره إلى أحد أبرز مسؤولي النظام، علي حسن المجيد المعروف بلقب علي الكيماوي، لتنفيذ الهجوم الكيميائي على حلبجة.
ألقت طائرات النظام البعثي وبإشراف وأوامر مباشرة من علي حسن المجيد قنابل كيميائية محرّمة على المدينة. لتحيل الربيع فيها صحراء قاحلة، وغابة موت، شهدت استشهاد ما يربو عن خمسة آلاف شهيد وعشرة آلاف مصاب، ومئات المفقودين.
كانت حجة النظام البعثي وقائده صدام حسين وقتها وجود قوات إيرانية في المدينة، بينما كانت الحقيقة غير ذلك، وكانت المجزرة واحدة من انتهاكات جسيمة وجرائم حرب وإبادة بحق الكرد كما كانت جرائمه في حرق القرى الكردية والأنفال وسواها، ولم تكن حلبجة وحدها، بل أعقبها استخدام الأسلحة الكيميائية نفسها في مناطق أخرى من كردستان مثل وادي جافايتي وباليـسان وسردشت وغيرها.
قدم صدام ونظامه البرهان والدليل للعالم أجمع بأنه يمتلك أسلحة محرمة دوليا، من شأنها أن تؤدي لإبادة جماعية، وكانت مجزرة حلبجة وغزو العراق للكويت من الأسباب التي دفعت أمريكا والغرب للتدخل العسكري في العراق وإنهاء نظام صدام الدكتاتوري.
اليوم وفي ظل الانقسام في الصف الكردي والتوترات والحروب الإقليمية والعالمية، وخاصة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، والأوضاع العالمية المتأزمة التي تشبه إلى حد كبير أوضاع عام 1988، باتت الخشية من تكرار مثل هذه المجازر قائمة، ولا بد من التحرك لإيقافها.
ما بعد الكارثة
تقارير صحفية ومن بينها تقرير الصحفي “ماثيو وارد أغيوس”: قُدّر عدد الشهداء في حلبجة بنحو خمسة آلاف شخص، نتيجة استخدام غازات الأعصاب مثل السارين وVX، إضافة إلى غاز الخردل. كما استشهد ما يقارب 182 ألف كردي في مجمل حملة الأنفال”.
كما أشار تقرير منشور في مجلة Frontiers إلى دراسة عالم النفس الإكلينيكي إبراهيم محمد وضع 500 ناجٍ لتقييم الأثر النفسي الدائم للهجوم على صحتهم. الدراسة أظهرت أن نحو أربعة من كل خمسة منهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، فيما يعاني ثلاثة من كل أربعة من الاكتئاب أو القلق. ورغم ذلك، لم يتلقَّ العلاجَ سوى أقل من واحد من كل خمسة. كما أن الناجين يعانون أيضًا من آلام مزمنة وإرهاق ومشكلات صحية طويلة الأمد، ما يعكس تداخل الأضرار النفسية والجسدية.
وفي تقرير لموقع وشبكة DW يقول يريفان سعيد وهو أحد الناجين، وكان وقتها في السادسة من عمره، إن المأساة لا تزال تسيطر على الوعي الجمعي في حلبجة والمناطق المجاورة. ويؤكد أن كثيرين ما زالوا يتساءلون عن سبب ما حدث، ولماذا لم يتمكنوا من إنقاذ أحبّتهم. ويرى سعيد أن غياب اعتراف دولي واضح بما جرى بوصفه إبادة جماعية فاقم الإحساس بالظلم، وأسهم في نقل الألم من جيل إلى آخر.
إلى جانب المعاناة النفسية، يتحدث مختصون عن استمرار وصمة اجتماعية تطال بعض الناجين. فهناك مخاوف واسعة من “تلوّث كيميائي” مزعوم، بما في ذلك اعتقادات خاطئة حول انتقال الأمراض إلى الأبناء أو إلى الآخرين.
التقرير تضمن كذلك تصريحات لمختصين ودارسين اجمعو “هذا أكد ما وجدناه في دراستنا، في الواقع، أن الناجين من الهجمات الكيميائية في حلبجة ما زالوا يعانون ليس فقط من الصدمة النفسية، ولكن من الصدمة الجسدية، حتى بعد مرور ما يقرب من أربعة عقود على التعرض لها”.
قرابة أربعة عقود مرت على المجزرة، لكن جرحها ما زال ينزف ولم يندمل، ولم يتم الاعتراف الرسمي بهذه الجريمة، وما يزال العشرات والمئات من أبناء حلبجة يدفعون الثمن جراء تلوث البيئة بأرضها ومائها، والتشوهات الخلقية في المواليد، ناهيك عن الآثار النفسية التي ما زالت تخيم على نفوس الناجين، وكل حجرة من حجار حلبجة، وكل وردة فيها تقول من هنا مر ديكتاتور حاول إنهاء وجودنا لكننا ننبت في هذه الأرض المباركة كل يوم وننمو من جديد.