اليسار التونسي ورقصة الديك المذبوح
سامر بن عبد السلام
2026 / 3 / 24 - 12:06
منذ يوم 25 جويلية 2021، انقسمت الطبقة السياسية إلى معسكرين: معسكرٍ داعمٍ للرئيس يعتبر هذه اللحظة تصحيحاً للمسار الثوري، ومعسكرٍ آخر معارضٍ يدعو لاستعادة الديمقراطية ويخوض ما يسميه "معركة الحريات". ولم تشذّ قوى اليسار عن هذه الصورة، بل تموقعت داخلها؛ فنجد أحزاباً تدعم المسار (الوطد، حركة تونس إلى الأمام، حركة الشعب، التيار الشعبي...)، وأخرى تعارضه (حزب العمال، "الوطد" فصيل زياد لخصر، حزب المسار...).
إن موقفي المعسكرين اليساريين يبدوان غريبين عند تأملهما؛ فلا المعسكر الداعم هو معسكر مشارك فعلاً في المسار ويمارس في إطاره السلطة السياسية، ولا المعسكر الرافض كان ناجحاً انتخابياً طوال العشرية الماضية. أي أن كلا المعسكرين يشتركان في "الهامشية"، سواء قبل 25 جويلية أو بعدها، وسواء كانوا جزءاً من المعارضة أو من داعمي السلطة.
يعكس هذا الموقف المهزلة التاريخية التي عاشها اليسار التونسي طوال السنوات السابقة؛ فهذا اليسار لم يكن متميزا عن الإسلاميين أو الأحزاب سليلة العائلة الدستورية، بتصوراته التنظيمية و اطروحاته، ولا يعتمد أدوات تحليلية تميزه عنهم ويؤسس من خلالها لموقع واضح وخاص به في الخارطة السياسية. لذلك، لا نستغرب غياب أي تحليلات تحدد طبيعة النظام أو التركيبة الطبقية لمسار 25 جويلية، أوكتابات استراتيجية تحدد مهام المرحلة القادمة. لذلك نجد اليسار اليوم يركن الى لعب دوره المفضل: "الاصطفاف" وراء هذا أو ذاك؛ فإما لعب دور شاعرالبلاط في مسار 25 جويلية، أو الانحناء للسماح "لسيده الشيخ" بالركوب من جديد.
هذا الاصطفاف يعكس ما راكمته قيادات هذه الأحزاب البيروقراطية؛ ليس من نضالات أو أطروحات ثورية، بل من مصالح انتهازية، سواء بعلاقاتها مع المنظمات المشبوهة أو بتواجدها وظيفيا في أروقة الدولة التونسية.
مصير هذا اليسار
"إن حالة التيه التي يعيشها اليسار التونسي اليوم ليست إلا تجسيداً معاصراً لأسطورة بين سكيلّا وكاريبديس ؛ حيث يجد هذا اليسار العقيم نفسه عالقاً في مضيقٍ خانق، مضطرّاً للاختيار بين وحشين كلاهما يؤدي إلى الفناء.
إن يساراً كهذا قد وضع نفسه بين المطرقة والسندان؛ بين مطرقة الموقف الحالي وسندان الانقسام وتعميق الشرخ إن هو أعلن تغيير موقفه السياسي. ولن يستقيم حاله إلا في حالة واحدة، وهي الانطلاق في بناء قواعد شعبية والاتجاه إلى الكادحين وتأطيرهم وهيكلتهم، والاستعداد لخوض معركة ما بعد المسار. وهو أمرٌ مستحيل الحدوث، فهذه الأحزاب قد أصيبت بمرض البيروقراطية، وكما يقول تروتسكي: "كما تتكاثر الطفيليات على جسد مريض، كذلك تنمو البيروقراطية في مجتمع منزوع من الحياة السياسية". وهذا ينطبق تماماً على هذه الأحزاب التي تغيب فيها النقاشات وصراع الأفكار والتداول على القيادة، حيث تعمل هذه البيروقراطية على إعادة إنتاج أحزابها كجسد مريض تغطيه الطفيليات حتى تحافظ على نفوذها؛ لذا لا يمكنها اتخاذ مسار يدعم تكوين شبابها وتسليحهم بالنظرية والتوجه إلى المصانع والحقول والمناجم. و مع الاخذ بالاعنبار ان هذه الاحزاب غير قابلة للتجديد نظرا لضعف تكوين شبابها و سيطرة الجيل مؤسس الذي هومجموعة من البيروقراطيين كما ذكرنا نجد انفسنا امام الايام الاخيرة لليسار الجديد الذي انطلق قبل اكثر من 40 عام.
ما العمل؟
كنا قد أجبنا سابقاً عن سؤال طبيعة الأنظمة السياسية في البلدان ذات التطور المركب واللامتكافئ، كما أشرنا في مقالنا المعنون بـ "قيس سعيّد بين بونابارتية الدولة التابعة والشعبوية اللقاحية: نقد ماركسي لمغالطة الفاشية". إن النظام في هذه البلدان يتخذ شكلاً يتأرجح بين:
الديمقراطية البرجوازية الهشة: التي تفشل في فرض هيمنتها عبر أجهزة الدولة الأيديولوجية (الأحزاب، البرلمان، الإعلام...) بسبب عجزها عن تمثيل مصالح شعبية واسعة.
الأنظمة البونابارتية: التي تنبثق كلما بلغ هذا الفشل ذروته، فتشدد المركزية وتعيد توزيع أدوار أجهزة الدولة الأيديولوجية بهدف إعادة إنتاج هيمنة الطبقات السائدة بوسائل فوقية.
هذان الشكلان ليسا متناقضين عرضياً، بل يمثلان وحدة جدلية في "سيرورة الفناء" التي تعيد إنتاج تبعيتنا وتعمّق استغلال الشعب؛ فالديمقراطية البرجوازية الهشة تؤدي حتماً بفعل عجزها إلى صعود البونابارتية، وهذه الأخيرة — لأنها لا تنتج أحزاباً متجذرة ولا وعياً سياسياً متقدماً — تنتهي بدورها إلى إعادة إنتاج ديمقراطية برجوازية هشة جديدة. وهكذا يستمر الدوران في حلقة مفرغة تستنزف الشعب.
إن ما علينا القيام به اليوم هو القطع مع "سيرورة الفناء"، وهو ما يستلزم القطع مع اليسار العقيم الذي وُضع في نعشه ولا ينتظر منا إلا دق المسمار الأخير وإعلان نهايته. ومن ثم الانطلاق في بناء حركة ثورية تلتحم بشعبنا الكادح، تنطلق من المصنع والحقل والمنجم، لتؤسس لخط ثالث راديكالي يكون هدفه الأسمى هو إنجاز الثورة الاشتراكية.