الانتقال والسفر عبر الزمن!


ادم عربي
2026 / 3 / 22 - 22:13     

بقلم ؛ د . ادم عربي
ليس من السهل على الإنسان، حتى لو امتلك قدراً جيداً من المعرفة الفيزيائية، أن يستوعب بشكل دقيق مفاهيم النظريتين اللتين قدّمهما ألبرت أينشتاين، أي النسبية الخاصة والعامة. فهاتان النظريتان تتضمنان أفكاراً عميقة ومركّبة تتجاوز  ما اعتاد عليه البشر ، ومع ذلك، فإن معيار الفهم الحقيقي لأي نظرية ،كما أشار أينشتاين نفسه ، هو القدرة على تبسيطها وشرحها بلغة يفهمها طفل صغير لا يتجاوز عمره ست سنوات. وهذا يعني أن الغموض لا يكمن دائماً في النظرية، بل كثيراً ما يكون في طريقة فهمنا لها أو في فهمنا لها.
ومن أبرز الأمثلة على سوء الفهم الشائع، فكرة "السفر عبر الزمن"، والتي تُعد من أكثر الأفكار إثارةً في النسبية العامة. فقد انتشر طرحٌ يقول: لو تمكن إنسان من العودة إلى الماضي، وقرّر قتل أدولف هتلر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، فإنه سيمنع وقوعها. لكن المفارقة هنا ، كما يطرحها هذا الرأي ، أن اختفاء الحرب سيؤدي إلى اختفاء الدافع الذي جعله يسافر عبر الزمن، وبالتالي يستحيل حدوث الفعل من الأساس.
غير أن هذا المثال، رغم شيوعه، لا يعكس فهماً دقيقاً للمسألة، بل يكشف عن التباس عميق في تصور معنى "السفر عبر الزمن".
في الحقيقة، حين نتحدث في الفيزياء عن السفر عبر الزمن، فإننا نقصد ، بشكل علمي مثبت، السفر إلى المستقبل، لا إلى الماضي. وهذه ليست فكرة خيالية، بل نتيجة مباشرة لما يُعرف بظاهرة "تمدّد الزمن"، وهي ظاهرة تم التحقق منها تجريبياً ، وهذه الظاهرة تحدث لسببين ، الاول السير بسرعة عالية جدا تقارب سرعة الضوء مثلا أو التعرض إلى مجال جذب هائل.
ولكي نفهم ذلك، يمكننا المقارنة بين السفر في المكان والسفر في الزمن. في حياتنا اليومية، ننتقل من مكان إلى آخر، والزمن الذي يستغرقه هذا الانتقال يتغير تبعاً لسرعتنا أو وسيلة النقل التي نستخدمها، بينما تبقى المسافة نفسها ثابتة. أي أن المتغيّر هنا هو الزمن، لا المكان.
أما في حالة "السفر عبر الزمن"، فإن المسألة تنقلب: الزمن نفسه يصبح مرناً، قابلاً للتمدد أو التباطؤ. وهذا يحدث في حالتين رئيسيتين هما:
أولا :عندما يتحرك الجسم بسرعة تقترب من سرعة الضوء.
وثانيا : عندما يكون خاضعاً لمجال جاذبية هائل.
المهم هنا والمفارقة الكبري أن الشخص المسافر على الزمن في أي حالة من الحالتين السابقتين يعيش أثناء هذا السفر ضمن وقته الخاص، أي أن
في كلتا الحالتين، يعيش الشخص وفق زمنه الخاص، أي ضمن ما يُعرف بـ"الزمكان" (Spacetime)، وهو الإطار الذي يدمج بين المكان والزمن في نسيج واحد.
لنفترض أن شخصاً يسافر في مركبة فضائية بسرعة قريبة جداً من سرعة الضوء. في هذه الحالة، سيلاحظ مراقب على الأرض أن الزمن داخل المركبة يمر ببطء شديد مقارنة بزمن الأرض. فقد تعادل دقيقة واحدة في المركبة سنوات طويلة على الأرض. لكن المسافر نفسه لن يشعر بأي تغيير؛ فكل شيء بالنسبة له يسير بشكل طبيعي: نبضات قلبه، حركته، وحتى الوقت الذي يحتاجه لإعداد فنجان قهوة ولنفرض عشرة دقائق ،كلها تبقى كما هي وفق ساعته الخاصة ، والمقصود هنا بساعته الخاصة هو نفس الزمن الذي كان يعيش فيه قبل السفر عبر الزمن ، فلن تتأثر ساعته الخاصة مطلقاً.
وهنا تتضح فكرة "السفر إلى المستقبل" بالمقاربة التالية: إذا عاد هذا المسافر إلى الأرض بعد سنة واحدة من الزمن بحسب ساعته، فقد يكتشف أن آلاف أو حتى مئات آلاف السنين قد مرت على الأرض. بمعنى آخر، هو لم يشعر إلا بسنة واحدة، لكنه وصل إلى مستقبل بعيد جداً بالنسبة لكوكبه الأصلي.
أما مسألة السفر إلى الماضي، فهي قصة مختلفة تماماً. فوفق الفهم الفيزيائي الحالي، لا يمكن تحقيق ذلك. والسبب ليس مجرد تناقض منطقي، بل يعود إلى طبيعة الزمن نفسه، الذي يسير في اتجاه واحد يُعرف بـ"سهم الزمن"، ولا يمكن عكسه.
صحيح أن بعض تصورات الخيال العلمي تفترض إمكانية تجاوز سرعة الضوء والعودة إلى الماضي، لكن هذا الافتراض يتعارض مع أحد أهم الثوابت في الفيزياء ألا وهو ، ما من شيء  شيء يمكنه تجاوز سرعة الضوء.
وحتى من الناحية المنطقية فيما لو استعملنا المنطق، تبرز مفارقات لا منطقية، مثل تخيل أن شخصاً يعود إلى الماضي ويقتل أمه قبل أن يولد. في هذه الحالة، كيف يمكن له أن يوجد أصلاً ليقوم بهذا الفعل؟ هذه التناقضات تكشف أن فكرة السفر إلى الماضي ليست فقط غير مدعومة علمياً، بل أيضاً تصطدم بأسس التفكير المنطقي.
السفر عبر الزمن ليس خرافة بالكامل، لكنه ليس كما يُصور في الثقافة الشعبية. إنه ممكن، ولكن في اتجاه واحد فقط ، نحو المستقبل ، كنتيجة طبيعية لبنية الكون كما تكشفها الفيزياء الحديثة. أما العودة إلى الماضي، فهي،حتى الآن ، تبقى خارج حدود العلم، وأقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.