وهم الدولة المقدسة!


ادم عربي
2026 / 3 / 16 - 14:10     

بقلم : د. ادم عربي
ليس هناك مفهوم سياسي أو اجتماعي يكتنفه هذا القدر من الغموض والالتباس مثل مفهوم الدولة. فقلما نجد فكرة تختلط فيها الأوهام بالحقائق، وتتقاطع عندها المصالح المتعارضة بين البشر، كما يحدث في هذا المفهوم، ولا سيما في عالمنا العربي.
في الخطاب السياسي والإعلامي السائد، كثيراً ما يُتحدث عن الدولة وكأنها مرادف للمجتمع أو الشعب أو الأمة أو الوطن. ويبدو الأمر كما لو أن الدولة هي التعبير الكامل عن الجميع، وأنها تمثل المصلحة العامة بصورة طبيعية وبديهية. وبعض المثقفين أو السياسيين، ممن يرغبون في توجيه نقد مقبول للسلطة دون تجاوز حدود معينة، يلجأون إلى التفريق بين الدولة والحكومة؛ فيسمحون لأنفسهم بانتقاد الحكومة بوصفها جهازاً بشرياً قابلاً للخطأ، بينما يحيطون الدولة بهالة من القداسة، كأنها كيان أعلى من النقد والمساءلة.
غير أن هذه الصورة ليست سوى وهم متقن الصنع. وهي وهم يُعاد إنتاجه وترسيخه في الوعي العام لأن فئات معينة تجد مصلحتها في استمرار هذا التصور. فالدولة تُقدم في المخيلة العامة باعتبارها كائناً سامياً يقف فوق المجتمع، حكماً عادلاً بين المتخاصمين، لا ينحاز إلا لما يحفظ التوازن ويصون المصلحة المشتركة للجميع.
لكن الواقع يختلف عن هذه الصورة اختلافاً جذرياً. فالدولة، خصوصاً في عالمنا العربي، ليست ذلك الكيان المتعالي الذي يمثل الجميع على قدم المساواة، بل هي في حقيقتها فئة محدودة من الناس، منظمة تنظيماً هرمياً محكماً، تفصلها مسافة واسعة عن عامة المجتمع. وهذه الفئة تحرص دائماً على الظهور بمظهر الممثل الشرعي للمجتمع بأسره، وتغلف سلطتها بشعارات المصلحة العامة وخدمة الوطن، حتى تبدو كأنها جزء طبيعي من المجتمع وليست سلطة قائمة فوقه.
ومع ذلك، فإن الصفات السامية التي تُنسب إلى الدولة لم تمنع في الواقع من تحويل هذه الملكية العامة المفترضة إلى ما يشبه الإرث العائلي. فبدلاً من أن تكون السلطة ملكاً للشعب وفق ما تقوله الدساتير، كثيراً ما جرى التعامل معها كما لو كانت تركة تنتقل من الأب إلى الابن ثم إلى الحفيد. وهكذا يُفهم "التداول السلمي للسلطة" أحياناً باعتباره انتقالاً للسلطة داخل السلالة نفسها، لا بين المواطنين الأحرار.
وفي الأصل، لم تكن السلطة لتستقر في أيدي هؤلاء لولا سيطرتهم المحكمة على أدوات القوة وهي الجيش، والأجهزة الأمنية، وسائر مؤسسات القهر. فهذه الأدوات هي الطريق الحقيقي إلى الحكم، وهي أيضاً الضمانة الأساسية للبقاء فيه. ومن يصل إلى السلطة بالقوة غالباً ما يحافظ عليها بالقوة، ولا يغادرها إلا حين تظهر قوة أخرى قادرة على إزاحته.
غير أن التحولات الاقتصادية في العقود الأخيرة أضافت بُعداً جديداً إلى هذه الصورة. فقد تسللت الروح التجارية إلى قلب السلطة، حتى أصبح كثير من رجال الدولة يجمعون بين دور الحاكم ودور التاجر أو رجل الأعمال. ومع هذا التداخل أخذت الحدود بين السياسة والتجارة تتلاشى، فصار من العسير التمييز بين رجل الدولة ورجل الأعمال.
وفي هذا المناخ، أصبح ما هو عام من ممتلكات المجتمع هدفاً مغرياً للاستثمار والخصخصة. فالمؤسسات التي كانت تُعد ملكاً للجميع باتت تُعرض للبيع تحت مسميات مختلفة، بينما يجني من وراء ذلك أرباحاً طائلة من يقفون في موقع القرار أو على مقربة منه.
وهكذا نشأ نوع من التحالف غير المعلن بين السلطة السياسية ورأس المال. فقد "تزوج" رجال الأعمال الدولة، بمعنى أنهم صاروا شركاء في مؤسسات الحكم والإعلام والتشريع، وفي الوقت نفسه دخل رجال السلطة عالم التجارة والأعمال. ونتيجة لذلك لم تعد السياسات العامة تُقاس دائماً بميزان المصلحة الوطنية، بل كثيراً ما تُقاس بميزان الربح والخسارة لفئة محدودة من أصحاب النفوذ.
ومع اتساع نطاق العولمة، ازدادت المسافة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي كان يفترض أن تستمد شرعيتها من شعبها أخذت تنسج علاقاتها ومصالحها خارج حدود المجتمع الذي تحكمه، حتى بدا الأمر أحياناً وكأن جذورها لم تعد مغروسة في تربة الوطن بقدر ما هي ممتدة في تربة المصالح الخارجية.
وبهذا المعنى تحولت الدولة، في نظر كثيرين، من أداة لحماية المجتمع وتمثيل مصالحه في الخارج، إلى ما يشبه قناة لنفوذ الخارج داخل المجتمع. فلم تعد دائماً سفارة للشعب لدى العالم، بل بدت أحياناً كما لو كانت سفارة للعالم داخل بلدانها.
وهكذا انتهى الأمر بمفارقة مؤلمة؛ فقد أصبح الناس يحنون أحياناً إلى زمنٍ كانت فيه السلطة المحلية وحدها هي التي تمارس القهر عليهم، بينما باتوا اليوم يشعرون أن هذا القهر ذاته قد صار متشابكاً مع قوى ومصالح تتجاوز حدود أوطانهم.