كان يا ما كان قاعدة تُدعى سديه تيمان – فهل كانت هي موجودة أصلا؟


جدعون ليفي
2026 / 3 / 16 - 08:10     

كان يا ما كان قاعدة عسكرية في جنوب إسرائيل تُدعى سديه تيمان، حيث أُنشئت خلال حرب غزة أربعة حظائر احتجز فيها مئات الغزيين دون محاكمة، بعضهم أبرياء. كان يا ما كان تقارير عن وفاة 36 معتقلا قيل إنهم ماتوا بسبب التعذيب أو الجوع أو بسبب انعدام الرعاية الطبية. وكان يا ما كان أيضاً شهادات عن معتقلين بُترت أطرافهم نتيجة النخر الذي أصابها بسبب تقييدهم الدائم بالأصفاد البلاستيكية. وكان يا ما كان روايات عن اعتداءات جنسية كذلك, بل وحتى اغتصاب ارتكبها جنود احتياط كانوا يحرسون المعتقلين.
وكان يا ما كان أيضا ما عُرف بـ “قضية سديه تيمان”، التي اقتحم على إثرها حشد هائج يقوده وزراء وأعضاء كنيست المعسكر أمام الكاميرات. وكان يا ما كان أيضا شريط فيديو وثق الاعتداء الذي فجر القضية، وهي قضية انتهت يوم الخميس بما يشبه الفرقعة الفارغة، فرقعة أطلقها المدعي العسكري العام اللواء إيتاي أوفير، وهو مستوطن. لم يبق سوى الفيديو، منسيا، مشوها، وملقى على هامش التاريخ كدليل قاطع لكنه بلا أي أهمية على ما حدث فعلاً في سديه تيمان في 5 تموز/يوليو 2024. شاهدته مجددا هذا الأسبوع. كان مشاهدته صعبة كما كانت في المرة الأولى: مثيرا للغضب، مخزيا، ومرعبا.
الفيديو يصور ما يحدث في معسكر تعذيب. إنه يظهر سادية رجال يرتدون الزي العسكري، حراس سجون يطلق عليهم في التشويه الإسرائيلي اسم “مقاتلين” من دون أي سخرية. يقدم الفيديو دليلا قويا على اعتداء مروع على رجل أعزل يتلوى من الألم عند أقدام أشخاص أشبه بقوات الصدمة. أحدهم يمسك هراوة بينما يرفع الآخرون دروع مكافحة الشغب لإخفاء جرائمهم.
وبقي أيضا أبواق اليمين التي تحتفل بانتصارها: انتصار الكذب على الحقيقة، والشر على الإنسانية. ومن الآن فصاعدا لن يبقى إلا الكذب: كذب الحراس ذوي الأقنعة السوداء الذين لا يخجلون من الادعاء أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد الخطر الذي شكله رجل جائع ومعذب، مقيد اليدين خلف ظهره، كانوا يجرونه على الأرض كأنه كيس، وعيناه معصوبتان؛ وكذب محاميهم وأنصارهم الذين حولوا الجناة إلى ضحايا، والليل إلى نهار، وقضية التعذيب إلى قضية تسريب الفيديو.
لقد حولوا النقاش بعيدا عن السؤال الوحيد الذي يهم: هل حدث ذلك أم لم يحدث؟ إلى قضايا هامشية لا علاقة لها بالموضوع: المدعي العسكري العام السابق، وتسريب الفيديو إلى الصحفي غاي بيليغ، وقناة 12 الإسرائيلية التي بثته، والإجراء الذي سارع المدعي العسكري العام الجديد إلى اتخاذه ليفعل بالضبط ما كان متوقعا منه، إرضاءا لمن عينوه، ووضع حد للقضية.
لكن القضية لم تنتهِ. فبدلا من القضايا الضائعة المتعلقة بالعدالة والمساواة أمام القانون، والخير والشر، والجريمة والعقاب، لدينا الآن تصريح واضح من مؤسسات الدولة مفاده أنه من الآن فصاعدا يُسمح لحراس السجون العسكرية بتمزيق شرج أي سجين، طالما أنه فلسطيني، وكسر أضلاعه وثقب رئتيه. ولن يصيبهم أي أذى فحسب، بل سيصبحون أبطالا.
وإذا كان أبطال طفولتنا – ويا للخجل – هم جنود الوحدة 101 الكوماندوس المشبوهة، فإن أبطال الروح الجديدة للعصر هم حراس السجون المجرمون في الوحدة 100. هذا، باختصار، هو تاريخ إسرائيل.
القضية لم تنته لأن سؤالا أكثر مصيرية يبرز بكل قوته:
ما دور الحقيقة في حياتنا؟ وهل ما زالت ذات اهمية؟
لقد قدمت قضية سديه تيمان جوابها: لا. لم تعد الحقيقة مهمة. ما حدث فعلا لم يعد مهما، والواقع لم يعد له دور، بل الاختلاقات فقط. في الأجواء السائدة اليوم يمكن لأي كذبة أن تخفي أي حقيقة. إنه انقلاب كامل في منظومة القيم، أخطر حتى من وجود سجن عسكري مورِس فيه التعذيب.
كان يا ما كان، أو ربما لم يكن، قاعدة عسكرية اسمها سديه تيمان عذّب فيها حراس سجون إسرائيليون معتقلين فلسطينيين بشكل روتيني. وكان يا ما كان، أو ربما لم يكن، حراس سجون عسكريون عادوا إلى بيوتهم كأبطال بعد أن ارتكبوا فظائع أمام الكاميرات.
كان يا ما كان شيء اسمه الحقيقة.
لكنه لم يعد موجودا.