اسماعيل يوسف -الملازم عمار-.. بوصلة الأيام وشموخ الجبل


هندي الهيتي
2026 / 3 / 15 - 07:35     

لم يكن مجرد قريب، كان "إسماعيل" بالنسبة لي هو الاتجاه حين تضيع الطرق. كان يكبرني بأعوام، لكنه كان يسبقني بدهور في فهم معنى الانتماء. أتذكره في "هيت"، في تلك الاجتماعات السرية، حين كان يضغط بإبهامه الأيسر على كفه الأيمن بقوة؛ حركة خفية كانت تفضح قلقاً دفيناً على وطن يترنح، بينما كانت عيناه تلمعان بحلم لا ينطفئ.
دارت بنا الأيام دورة قاسية. غادر هو "هيت" ملاحقاً بآثار التعذيب، ولحقت به أنا بعد أن لفظتني مقاعد الدراسة في الموصل تحت وطأة الملاحقات الأمنية. وجدنا أنفسنا في بغداد، غريبين في زحامها، مشردين بلا مأوى. كنا نقضي نهاراتنا في الحافلات العامة، نتظاهر بالنوم لنكسب بضع ساعات من السكينة، ونفترش الحدائق الخلفية ليلاً بعيداً عن عيون المخبرين.
في ليلة شتوية قاسية، كنا نفترش العشب البارد على ضفاف "أبي نؤاس". كان الجوع ينهش أحشاءنا، والبرد يتسلل إلى عظامنا. قلت له بصوت متهدج:
— "إسماعيل.. ماذا لو كنا الآن في بيوتنا؟ دافئين، شبعانين، وآمنين؟"
نظر إلى السماء المظلمة، وصمت طويلاً قبل أن يجيب بهدوء كأنه يهمس للتاريخ:
— "ربما تنعم ببعض الدفء يا رفيقي، لكن ماذا عن الملايين الذين يستصرخهم الجوع؟ كيف ننام وصراخ أطفالهم يملأ الفراغ؟"
لم أجب. غلبني النعاس على صدر البرد. وحين استيقظت مع خيوط الفجر الأولى، لم أجد أثراً لاسماعيل. تحسست جيبي، فوجدت ورقة صغيرة طويت على عجل، كتب فيها بخط يده المرتجف: "لقد جاء من يعيد بوصلة الأيام.. وداعاً، وقد نلتقي هناك".
غاب "الملازم عمار" —كما صار يعرف لاحقاً— في ضباب السرية، ليعيد ترتيب بوصلته في أعالي جبال كردستان. هناك، حيث الشموخ يغسل الوجوه، صار آمراً في "قوات الأنصار". حدثني رفاقه لاحقاً عن شجاعته في معركة "كفري" عام 1983؛ كيف اعتلى سطحاً مكشوفاً، متحدياً أسراب المروحيات، ليوجه الرماية ويحمي رفاقه، محولاً جسده إلى جسر يعبر عليه الآخرون نحو الصمود.
مرت السنون، ولم يصلني خبر رحيله إلا بعد عامين من استشهاده. سقطت كل ظنوني في العودة، وبكيتُ كما لم أبكِ من قبل.
قبل سنوات، وقفتُ أخيراً أمام ضريحه في مقبرة "دربندخان". لم يكن قبراً غريباً، كان قطعة من ذاكرتي المصلوبة على خشب الانتظار. لمست رخام القبر، وشعرت بتلك البرودة التي تشبه ليلة "أبي نؤاس"، لكن هذه المرة كان هو الدافئ في ثرى كردستان، وأنا الذي ما زلت أبحث عن بوصلة في وطن أتعبته المسافات.... نم رغدا ياعمار ..فقد وصلت انت وبقينا نحن نقتفي اثر خطاك في الذاكرة....