الناشطون في وسائل الإعلام الإسرائيلية ,قبل كل شيء, هم جنود في الجيش


جدعون ليفي
2026 / 3 / 14 - 07:20     

كل من ظنّ أن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد وصلت بالفعل إلى مستوى غير مسبوق من الانحدار خلال الحرب الحالية، لا يحتاج إلا إلى مشاهدة الممارسة الأخيرة: فكل مراسل يعرض جزءا من مصراع نافذة أصابه صاروخ، وكل مذيع يقطع البث لينتقل إلى تقرير من متجر بقالة في أحد الأحياء تضرر، يسارع فورا إلى الإعلان بأن كل شيء قد تمت الموافقة عليه من قبل الرقيب العسكري.
لا أحد يطلب من الصحفيين أن يقولوا ذلك، فالقانون لا يلزمهم به، كما أن الرقيب العسكري لم يطلب منهم قط إظهار مثل هذا الختم الذي يفيد بـ«سلامة التقرير». ومع ذلك، فإن وسائل الإعلام تعلن طوعا وبصوت عال: انظروا كم نحن جيدون. نحن أكثر التلاميذ انضباطا في الصف، أولئك الذين يطلبون الإذن في كل شيء، حتى عندما لا تكون هناك حاجة لذلك.
إنهم متحمسون محرجون، سواء كانت يونيت ليفي من القناة 12 أو مراسلو الأخبار المحلية الذين يغطون ما يحدث في بيتاح تكفا؛ الجميع ينصاع الى القواعد، بل وأكثر من ذلك. وبدلا من مقاومة الرقابة (نعم، حتى في زمن الحرب)، أصبحوا جنودها الأكثر انضباطا. فوسائل الإعلام ليست فقط في خدمة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، بل أيضا في خدمة الرقيب العسكري.
مع وجود مثل هذه الوسائل الإعلامية، لا جدوى من النضال من أجل صحافة حرة، لأن وسائل الإعلام نفسها ليست في صف الحرية. والحقيقة أنه لم يأمرها أحد بإخفاء ما كان يحدث فعلا في قطاع غزة طوال عامين ونصف العام، ولم يأمرها أحد بأن تكون مطيعة إلى هذا الحد وبفخر.
«هل أنت راض عني يا جيش الدفاع الإسرائيلي؟» يكاد هكذا يسأل كل مراسل عسكري. «الست صبي جيد؟ الست جندي جيد؟ ألم الزم نفسي الا اكشف اي شيء؟ ألم أمضغ وفمي مغلق؟». لدى وسائل الإعلام حاجة وجودية وشخصية للبقاء على علاقة طيبة مع المؤسسة الحاكمة، بل حتى مع من يُفترض أنهم العدو المعلن للصحافة: الرقيب العسكري.
إن الحاجة إلى الاحتماء بظل المؤسسة، كما يُحتمى بظل الأم والأب، والرغبة في أن تبدو الامور جيدة في نظرها، تنبع من التطلع إلى أن يتحمل الرقيب المسؤولية بدلا عنا ويعفينا منها.
في نظر غالبية الصحفيين الإسرائيليين، يجب على الصحافة أن تضمن الأمن القومي لأننا جميعا جنود، تماما كما يعتقد بعض الصحفيين أن مهمة الإعلام هي الحفاظ على «السمعة الحسنة» لإسرائيل. يقول أحد الصحفيين الجهلة: «نحن إسرائيليون قبل كل شيء، وصحفيون في المرتبة الثانية»، وهو قول يدل على أنه لا يفهم على الإطلاق دوره في نظام ديمقراطي. فالخط الفاصل بين الصحافة والعلاقات العامة تم تجاوزه هنا منذ زمن طويل.
إن التملق والتحالف مع الدولة لا يستهدفان المؤسسة الحاكمة فحسب، بل أيضا عموم الجمهور: لا تقلقوا، لن نخبركم بالكثير. نحن وطنيون ومسؤولون، ولن نقول لكم شيئا قد يجعلكم تسهرون ليلا (مثلا أن الجيش الإسرائيلي قتل ألف طفل في غزة)، ولن نعرّض «الأمن القومي» للخطر، أيا كان معنى ذلك. لقد أصبحت الصحافة أحد وجوه منظومة الأمن القومي.
لم يكن الأمر دائما على هذا النحو. ففي الماضي كانت الرقابة أشد قسوة، لكن الصحفيين كانوا يقاومونها بشجاعة. فعندما عارضت مجلة «هعولام هازيه» قرارا للرقابة يمنع نشر معلومات — وهو أمر يصعب تخيل حدوثه اليوم — ترك رئيس تحريرها أوري أفنيري فراغات في الصفحة احتجاجا، وهو بحد ذاته مخالفة رقابية.
وعندما التقط المصور أليكس ليفاك صورة للمسلحين في قضية الحافلة رقم 300 قبل أن يقتلهم جهاز الأمن العام (الشاباك)، خاضت صحيفة «حداشوت» معركة لنشر الصورة. هذا الأمر لن يحدث اليوم أبدا. فصورة المسلحين قبل إعدامهم لن تنشر اليوم لأن «الرقابة الأم» لن تسمح بذلك، ولأن القراء سيغضبون من تعريضهم لمثل هذه الوقائع غير المريحة. فمن الذي يريد اليوم نشر دليل على إعدام فلسطينيين؟ ومن الذي يريد حتى أن يعرف؟
إنها حلقة مفرغة لا يمكن كسرها لأن الجميع راض عن وجودها. إن أكبر خطر يهدد وسائل الإعلام هو الرقابة الذاتية، وهي أكثر تدميرا بألف مرة من الرقابة الحكومية، لأنه لا يوجد من يقاومها. والآن اتخذت وسائل الإعلام خطوة أخرى إلى أسفل المنحدر، حين بدأت تتباهى بطاعتها. لا داعي للخوف من وزير الاتصالات شلومو كرعي؛ فلدينا القناة 12 لتقوم بالمهمة بدلا عنه.