النقد و النقد الذاتي (2)
هشام نوار
2026 / 3 / 11 - 14:55
) مقدمة
ينبني الحزب الماركسي اللينيني على مبدإ المركزية الديمقراطية ويبقى النقد والنقد الذاتي الوسيلة والأداة لتجاوز الأخطاء وتقويم السلوكات.
ترفع البورجوازية مبادئ مطلقة كالحرية والصدق والتكافل والثقة والاحترام والمحبة ونبذ العنف وتوظفها لمزيد استغلال الطبقة العاملة وكافة الكادحين و تدعيم أسس منظومتها المبنية على الملكية الخاصة و استغلال الأقلية للأغلبية.
لا تفوّت البورجوازية فرصة للإدعاء بأن الشيوعيين ضد "المنظومة الأخلاقية" للمجتمع وفعلا، الشيوعيون ضد هذه "المنظومة الأخلاقية" السائدة التي أرستها البورجوازية ويستعيضون عنها بالأخلاق الشيوعية التي تعبّر دوما عن مصلحة المُستغََلين و عدم الخنوع أمام مُستغِلّيهم تحت غطاء أخلاقي مطرّز بالنفاق .
الشيوعيون مع مبدإ الحرية ،حرية الانعتاق وكسر أغلال الاستغلال لا حرية الإذلال لرأسالمال المدمِّر.
الشيوعيون مع مبدإ الإحترام و المحبة للمضطهَدين و لايكنون أي نوع من المحبة لمصاصي دماء الكادحين فهؤلاء ليسوا جديرين بأي إحترام .
الشيوعيون ينبذون العنف لكنهم لن يتأخروا في ممارسته ضد البورجوازية إذ بادرت باستعماله للوقوف أمام إرادة الشعب لإخماد الثورة الاجتماعية.
الأخلاق الشيوعية والأخلاق البورجوازية على طرفي نقيض، لذا عند ممارسة النقد و النقد الذاتي لمواقف أو سلوكات خاطئة علينا أ لّا ننجرّ وراء مبادئ أخلاقية عامة و مطلقة بل يجب طرح جميع المسائل من وجهة نظر طبقية.
وإن كان للنقد والنقد الذاتي أهمية كبرى لتجاوز الأخطاء وإحكام وتطوير الممارسة النضالية إلا أنه يبقى سلاحا ذي حدّين إذ أن عدم إحكام استعماله يؤدي في بعض الأحيان إلى تعقيد الوضعيات واستعصاء حلها .
لا يجب أن يغيب عن ذهننا الجوهر التربوي للنقد والنقد الذاتي، فهدفهما الأول و الأخير هو تربيتنا على الخصال الشيوعية والرفع من قدراتنا النضالية.
المسألة في غاية الأهمية، فكلما حادت ممارسة النقد والنقد الذاتي عن جوهرها التربوي كلما ساهمنا في إلحاق الضرر بالرفيق(ة) والمجموعة والحزب عامة.
2) النقد الذاتي
أ) فحوى النقد الذاتي
النقد الذاتي ليس مجرد اعتذار أو إقرار بسلوك موقف خاطئ والتعهد بعدم تكراره بل هو عملية مركبة تتضمن أساسا :
ــ الإقرار الفعلي والدقيق بالخطإ المرتكب وذلك بكل صراحة وتجرّد.
ــ الخوض في تعرية الأسباب و الدوافع الكامنة وراء ارتكاب الخطإ .
ــ التعرض لتبعات الخطإ على الرفيق وانعكاساته على المجموعة ونتائجه على الحزب.
ــ تناول سبل التجاوز والإصلاح .
ب) دور المجموعة
وجب التأكيد على دور المجموعة في تعميق النقاش بشكل جدي للوقوف على أسباب الخطإ والانعكاسات الحاصلة على الرفيق والمجموعة والحزب والتركيز على سبل التجاوز .
و في كل الحالات يعدّ الدفع بالنقد والنقد الذاتي في اتجاه يحيد به عن جوهره التربوي انحرافا خطيرا وله انعكاسات سيئة على الجميع.
ج) التوظيف الخاطئ للنقد الذاتي
ــ النقد الذاتي السطحي والشكلي واستعماله كمطية للتقصي من المسؤولية والتهرب من المحاسبة .
ــ النقد الذاتي المنمق بالجمل الثورية دون قناعة حقيقية تتجسد في الممارسة النضالية اليومية ويعدّ ذلك إيذانا بتكرار الخطإ في أول مناسبة.
ــ النقد الذاتي الذي يأخذ منحى الجلد الذاتي يولد غالبا الإحباط للمجموعة والشعور بالعجز لدى الرفيق(ة) الذي يقدم نقده الذاتي.
ــ عزوف بعض الإطارات الحزبية عن ممارسة النقد الذاتي صونا ل "هيبتهم" ومركزهم التنظيمي.
د) عوامل تسهم في إنجاح عملية النقد الذاتي.
ــ تثمين مبادرة رفيق(ة) بادر بنقده الذاتي .
ــ توجيه الرفيق نحو الوعي الفعلي بخطئه مع الأخذ بعين الاعتبار شخصيته ومزاجه وتركيبته النفسية دون السقوط في تنسيب الخطإ أو التبرير المتساهل أو المجاملة المجانية.
إن المناضل، ولو كان شيوعيا، يمكن أن يرتكب أخطاء وهو يرتكبها بالفعل في حياته اليومية والنضالية لكنه لا يخشى الاعتراف بها إذا كان واثقا من وجود روح العدالة لدى المجموعة وأيضا لدى الحزب وإذا كان يثق في روح الإنصاف وفي أحكام الرفاق الذين يوفرون له الشروط التي تمكنه من التعبير بكل حرية عن الأخطاء التي ارتكبها.
ــ إثر استيفاء نقد ذاتي يحرص الرفاق على التوصل إلى إرساء مصالحة الرفيق مع نفسه ومع المجموعة.
ــ تعويد الرفاق على استعمال سلاح النقد الذاتي في مجال الممارسة دون انتظار انعقاد اجتماع.
ــ النقد الذاتي يحفز أيضا المجموعة على تقديم نقدها الذاتي لأنه يمسها بصفة غير مباشرة.مما يدفع البعض إلى الانخراط فيه.
ــ النقد الذاتي يحصن المجموعة من الوقوع في نفس الخطأ.
ــ النقد الذاتي لأصحاب المراتب التنظيمية المتقدمة يخلق مناخا ملائما داخل المجموعة لممارسة النقد الذاتي بكل تلقائية.
ــ تطور النقد الذاتي رهين تطور النقد وذلك اعتبارا لترابطهما وتفاعلهما.
3) خصائص النقد الرفاقي
ــ تفادي النقد اللاذع فهو يولد الإحباط والشعور بالحرج أو العجز ولا يحفّز الرفيق المنتَقَد على الاستفادة من النقد فلا يجوز جعل النقد سببا في إرباك الرفيق(ة) وإحباطه مما يجعله يستنقص قدراته النضالية.
ــ من غير الصواب أن يكتسب النقد طابع التقييد أو التوريط أو التشفي أو تصفية الحسابات أو الحط من القيمة فلا يجب أن يخرج الرفيق، الموجه له النقد، من الجلسة مكبّلا و هو يشعر بالحرج والإحباط بل على العكس يجب أن يخرج قويا مستفيدا ومحفَّزا ومقتنعا بأن النقد الموجه له ذو قيمة كبيرة يساعده على تجاوز خطئه.
ــ يجب أن يكون للنقد تأثير إيجابي على المجموعة فهو يحصنها ضد الخطإ المرتكب و يدفع البعض منها إلى المبادرة بتقديم نقد ذاتي.
ــ عدم التردد أو الخوف من نقد الرفاق أصحاب المراتب التنظيمية المتقدمة فليس في ذلك أي نوع من التطاول أو الحط من القيمة فكل الرفاق سواسية أمام النقد و النقد الذاتي .
ــ على كل من يريد توجيه نقد ما أن يتجنب استعمال صفته التنظيمية بل عليه الانطلاق من المبادئ الثورية ، فلا يجب أن يكون منقادا لا بالتكبر ولا بشعور التفوق الفكري و تخيل معرفته كل شئ و الظن بأن أحكامه دائما على صواب ، بل عليه أن يحترم روح النقد وأن يكون متواضعا وأن يحافظ على هدوئه وأن يتحكم في تصرفاته وردود أفعاله.
ــ بعد توجيه نقد إلى رفيق يجب على المجموعة وعلى الحزب أن يكونا أكثر إحاطة به ليتيقن من صواب النقد.
ــ إذا كان النقد والنقد الذاتي لا يبطل اتخاذ الإجراءات التنظيمية في بعض الحالات فالحزب مطالب أيضا بالنقد الحازم واتخاذ الإجراءات الأكثر صرامة ضد كل من يتعمد إساءة استعمال هذا السلاح.
4) تقبّل النقد
ــ على الرفيق (ة) الموجه له النقد أن يقدم نقده الذاتي إذا أقرّ بوجود الإخلال وإذا ارتأى أنه لم يقم بخطإ فما عليه إلا دحض الإدعاء وإقناع رفاقه بكل هدوء .
على الرفيق الموجه له النقد أن لا يعتبر ذلك حطّ من قيمته أو نسف لنضاليته أو تشكيك في نزاهته.
ــ على الرفيق الموجه له النقد، في حالة إقراره بوقوع الإخلال، أن لا يلجأ إلى التبريرات الواهية التي ستصبح هي نفسها محل نقد مما سيعقد الوضعية .
على الرفيق الموجه له النقد، ولو كان بصفة غير موضوعية، أن لا يلجأ إلى التمرد على المجموعة والحزب بالتلويح بتخليه عن إنجاز مهمة أو تحمل مسؤولية.
ــ على الرفيق الموجه له النقد أن لا يعوّم مسؤوليته الفردية في المسؤولية الجماعية للمجموعة، فبعد تحديد مدى مسؤوليته الخاصة يمكن المرور إلى النظر في المسؤولية الجماعية.
إن العمل الجاد والوعي بضرورة تكامل النقد والنقد الذاتي في معالجة الأخطاء في التفكير والممارسة هو السبيل الوحيد لمحاربة والقضاء على الرواسب البورجوازية الصغيرة كالتعالي والتكبر والنرجسية وعقلية التمرد على التنظيم والنقد والنقد الذاتي هما الكفيلان لسدّ الباب أمام الاصطفاف الأعمى والانفراد بالرأي ومحاصرة كل نفس نقدي كما أن غيابهما يعد مؤشرا لانتعاش البيروقراطية .