كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق
جعفر حيدر
2026 / 3 / 12 - 00:11
بقلم/ جعفر حيدر
لم يكن أخطر ما واجهته المجتمعات عبر التاريخ هو الجهل البسيط، بل ذلك الجهل الذي يتلبّس ثوب القداسة ويُرفع فوق رؤوس الناس بوصفه ديناً أو عقيدة أو دفاعاً عن المذهب، ففي اللحظة التي يتحول فيها الدين من منظومة قيم روحية وأخلاقية إلى أداة سياسية وعسكرية بيد جماعات تبحث عن السلطة أو النفوذ، تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الإنسان البسيط حينها لا يعود يرى الأشياء بعين العقل بل بعين الخوف من المقدس، وهنا ينشأ ما يمكن تسميته بالغباء الديني، ذلك الغباء الذي لا يقوم على قلة المعرفة فقط بل على إلغاء التفكير تماماً وتسليم العقل إلى شعارات عاطفية فارغة، وهذا النوع من الغباء هو الذي تسلل إلى الحياة السياسية في العراق خلال السنوات الماضية، حين ظهرت فئة تدّعي الدفاع عن المذهب لكنها في الواقع لم تدافع إلا عن مصالحها وارتباطاتها الخارجية، فصارت تخلط بين الولاء الديني والولاء السياسي لإيران، وتقدّم ذلك على أنه واجب عقائدي، بينما الحقيقة أن العراق دفع وما زال يدفع ثمناً باهظاً لهذا الخلط الخطير بين العقيدة والسياسة والسلاح.
إن المتابع لتاريخ العلاقة بين هذه الفصائل وإيران يلاحظ بسهولة كيف جرى تسويق فكرة أن الدفاع عن العراق يمرّ عبر طهران، وكأن العراق بلد عاجز لا يملك قراره ولا موارده ولا قدرته على حماية نفسه، مع أن الواقع يقول إن العراق يمتلك ثروات هائلة وطاقات بشرية كبيرة، لكنه ابتُلي بنخب سياسية حولت الولاء الخارجي إلى مشروع حكم، فصارت بعض الجماعات ترفع شعارات المذهب وهي في الحقيقة تفتح أبواب البلاد للتدخلات الخارجية، وبدلاً من أن يكون الدين حافزاً لبناء الدولة صار وسيلة لشرعنة الفساد والسرقة ونهب الثروات، وهنا يظهر الغباء الديني بأوضح صوره، لأن الإنسان الذي يصدق أن سرقة بلده يمكن أن تكون خدمة للمذهب إنما يعيش حالة انفصال كامل عن العقل والمنطق.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى بعد عام 2003 حين تشكلت منظومة سياسية تعتمد على الأحزاب الدينية المسلحة، فبدأت هذه الأحزاب تتحدث باسم المذهب وتدعي أنها الحامي الوحيد له، بينما كانت في الوقت نفسه تسيطر على الوزارات والمؤسسات وتحوّلها إلى إقطاعيات حزبية، فتراجعت الخدمات الأساسية وتدهورت البنية التحتية وازداد الفقر والبطالة رغم مليارات الدولارات التي دخلت خزينة الدولة، وكل ذلك حدث تحت غطاء ديني وسياسي معاً، حتى صار من ينتقد الفساد يُتهم بمعاداة المذهب أو العمالة للخارج، وهي مفارقة ساخرة لأن الذين كانوا يرفعون هذا الاتهام هم أنفسهم الأكثر ارتباطاً بالخارج.
ومن الأمثلة الواقعية التي كشفت هذا التناقض ما جرى خلال انتفاضة تشرين عام 2019، حين خرج آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع مطالبين بوطن يحترم كرامتهم ويوفر لهم حياة لائقة، فلم يكن مطلبهم طائفياً ولا مذهبياً بل كان مطلباً وطنياً بسيطاً، لكن الرد الذي واجهوه كان الرصاص الحي والخطف والاغتيال، وسقط المئات من الشهداء وآلاف الجرحى، بينما حاولت بعض الفصائل تصوير المتظاهرين على أنهم عملاء أو مندسون، في حين أن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن معظم هؤلاء الشباب كانوا أبناء هذا الوطن الذين سئموا من الفساد والتبعية، وهنا ظهر الغباء الديني مرة أخرى حين جرى تبرير قتل أبناء البلد بحجة حماية المذهب أو حماية “محور المقاومة”، وكأن المذهب لا يمكن أن يعيش إلا فوق جثث العراقيين.
وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء سنجد أن التدخلات الإيرانية في العراق لم تكن يوماً مجرد علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، بل كانت في كثير من الأحيان تدخلاً مباشراً في القرار السياسي والأمني، فظهرت فصائل مسلحة تعلن ولاءها العقائدي لقيادة خارج الحدود، وتصرّح علناً بأن مرجعيتها السياسية والعسكرية ليست بغداد بل طهران، ومع ذلك ظل هناك من يدافع عن هذا الوضع ويعتبره أمراً طبيعياً بل واجباً دينياً، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لأن الوطنية في أبسط تعريفاتها تعني أن يكون ولاء الإنسان لوطنه أولاً، لا أن يقدّم مصالح دولة أخرى على مصالح بلده، لكن الغباء الديني يجعل الإنسان يبرر كل شيء ما دام مغطى بشعار مذهبي.
وتتجلى نتائج هذا المسار أيضاً في الملف الاقتصادي، فالعراق الذي يمتلك ثروات ضخمة من النفط والغاز ما زال يعاني من أزمات الطاقة والكهرباء، ومع ذلك ظل يعتمد على استيراد الغاز والطاقة من إيران، حتى صار الاقتصاد العراقي مرتبطاً بشكل كبير بالقرار الإيراني، وعندما تتعرض خطوط الطاقة للقصف أو تتعطل الإمدادات يدخل البلد في أزمة خانقة، ومع ذلك لا نسمع اعتراضاً حقيقياً من أولئك الذين يرفعون شعار الدفاع عن المذهب، لأن ولاءهم السياسي يجعلهم يتغاضون عن كل هذه الأضرار التي تصيب الشعب العراقي، وكأن معاناة الناس ليست مهمة ما دام المشروع السياسي الذي يؤيدونه مستمراً.
إن المشكلة الحقيقية ليست في التدين بحد ذاته، فالدين في جوهره منظومة أخلاقية تدعو إلى العدل والرحمة واحترام الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين إلى أداة بيد السياسيين أو الميليشيات، لأن هؤلاء لا يستخدمونه لإصلاح المجتمع بل لإخضاعه، فيصبح الدين غطاءً للسلطة والسلاح والفساد، وهنا يتحول التدين من قيمة روحية إلى حالة من الغباء الجماعي الذي يجعل الناس يدافعون عن الذين يسرقونهم ويبررون للذين يقتلون أبناءهم. الدين للفرد والوطن للجميع.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق اليوم ليس فقط الفساد أو التدخل الخارجي، بل ذلك الوعي المشوه الذي يجعل بعض الناس يخلط بين الولاء الديني والولاء السياسي، فيتصور أن الدفاع عن إيران هو دفاع عن المذهب، وأن نقد الفصائل المسلحة هو عداء للعقيدة، مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فالمذهب لا يحتاج إلى من يسرق بلداً كاملاً باسمه، والدين لا يحتاج إلى من يحوله إلى بندقية موجهة نحو صدور أبناء الوطن.إن العراق لن ينهض ما دام هذا الخلط قائماً بين المقدس والسياسي، وما دام هناك من يعتقد أن الولاء لدولة أخرى يمكن أن يكون فضيلة دينية، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا تُحمى بالخرافات، بل بالعقل والوعي واحترام الإنسان، وحين يدرك العراقيون أن الدين الحقيقي لا يتعارض مع حب الوطن بل يؤكده، عندها فقط يمكن أن ينتهي زمن الغباء الديني الذي حوّل السياسة إلى ساحة صراع مذهبي، وحوّل العراق إلى ساحة نفوذ يتنازعها الآخرون بينما يدفع شعبه الثمن.