الطبقة العاملة في الأرجنتين تتصدّى لهجوم حكومة أقصى اليمين وتدافع عن مكاسبها
مرتضى العبيدي
2026 / 3 / 9 - 16:13
شهدت كبرى مدن الأرجنتين في التاسع عشر من فيفري الماضي إضرابا عاما عن العمل دعت إليه كبرى نقابات العمال (الكنفدرالية العامة للشغل CGT) وانضمت إليها نقابات أخرى أقلّ حجما والناشطة في قطاعات خصوصية كالخدمات او الصناعة، بحيث بلغت نسبة المشاركة فيه حوالي 90℅ حسب المصادر النقابية. وهو الإضراب العام الرابع الذي يشنه عمال الأرجنتين منذ وصول اليميني المتطرف "خافير ميلي" الى سدّة الرئاسة في ديسمبر 2023.
وقد أضرب العمال هذه المرّة للتصدّي لمشروع قانون لتحوير مدوّنة الشغل كان البرلمان يستعدّ للمصادقة عليه في ذات اليوم، تحت مسمّى "إصلاح المدوّنة". لذلك انتظم التجمّع العمالي الحاشد أمام مبنى البرلمان، وسرعان ما تحوّل المكان الى ساحة معركة حامية الوطيس لمّا بادرت قوات البوليس الى استعمال الغاز المسيل للدموع، والخراطيش المطاطية وخراطيم المياه لتفريق العمال المضربين.
وقد شلّ الإضراب عديد القطاعات الحيوية منها خاصة قطاع النقل بكل أقسامه، البرّي والحديدي، كما أغلقت الموانئ البحرية والنهرية التي أضربت لمدة 48 ساعة. كما أعلنت على سبيل المثال الخطوط الجوية الأرجنتينية عن إلغاء ما يزيد عن 250 رحلة جوية مبرمجة. وفي الوقت نفسه، حشد العمال الصناعيون قواهم أيضًا. فهم الأكثر تضررًا من الركود الاقتصادي وخطط التسريح العديدة الناتجة عن سياسات التقشف التي انتهجها ميلي: إذ تشير التقديرات إلى فقدان 200 ألف وظيفة صناعية منذ ديسمبر 2023.
وجسّد هذا الإضراب عودة التوتر الاجتماعي، بعد أربعة أشهر من فوز خافيير ميلي، الليبرالي المتشدد، في الانتخابات النصفية، والذي خرج منها أكثر قوة. فسارع باستهداف مدوّنة العمل، وهو مشروعه الرئيسي في النصف الثاني من ولايته، والذي كان معروضا للنقاش في مجلس النواب في ذات اليوم.
ففيما يتمثل الإصلاح المزعوم؟
يمنح الإصلاح المزعوم الحكومة كما لأرباب العمل،
تسهيلات ومرونة كبرى بخصوص إجراءات الفصل من العمل، مما سيزيد من انعدام الأمن الوظيفي.
ويُخفّض قيمة التعويضات، والإجازات المدفوعة، في انتهاك للحماية الدستورية، كما يُجيز تقسيم الإجازات
ويُوسّع تعريف الخدمات "الأساسية" والتي لم يتم تحديدها بوضوح، والتي تم فيها إلغاء الحق في الإضراب ببساطة.
ويفرض قيودا جديدة على حقوق الإضراب والتجمع والمفاوضة الجماعية، في انتهاك لمعايير العمل الدولية التي صادقت عليها الأرجنتين، بما في ذلك اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 و98
ويُخفّض تمويل نظام الضمان الاجتماعي، مما يجعل المتقاعدين أكثر عرضة للخطر
وأخيرًا، يتيح القانون المعروض الطعن في اتفاقيات المفاوضة الجماعية على مستوى القطاع، والتي لم يمسها القانون سابقًا، ويمنح لاتفاقيات الشركات الأولوية على الاتفاقيات على مستوى القطاع.
ويهدف القانون إلى منع العمال من المقاومة، إذ يصبح بموجبه احتلال المصانع وتشكيل خطوط الاعتصام غير قانوني، كما يحظر التجمعات العامة داخل المصانع، إلا بموافقة صاحب العمل.
الإصلاح المزعوم تراجع عن المكاسب وتقنين للهشاشة
أما بالنسبة للحكومة، فإنّ " تحديث العمل"، كما يُطلق على مشروع القانون، سيُعزّز التوظيف في اقتصادٍ تتجاوز فيه نسبة العمل غير الرسمي 40%. ويتحقق ذلك بشكل خاص من خلال الحدّ مما تُسمّيه الحكومة "صناعة التقاضي"، أي النهج القانوني الذي يقيّد أيادي الباطرونا ويجعل قراراتهم التعسّفية قابلة للطعن لدى المحاكم، وهو مكسب حققه العمال بنضالاتهم منذ عهد الرئيس خوان بيرون الذي حكم الأرجنتين لفترتين، الأولى (1946-1955) والثانية (1973 الى حدود وفاته في السنة الموالية). وكما يظهر فإن هذا الإجراء لا علاقة له بالتحديث كما يزعم واضعوه، بل هو تقنين للهشاشة الملازمة للنيولبرالية.
وقد صرحت الأمينة العامة لاتحاد نقابات العمال الأرجنتينية، كريستي هوفمان، تعليقا على هذا "الإصلاح، قائلةً:
"دعونا نكون واضحين: هذا ليس تحديثًا لقانون العمل، بل هو هجوم على العمال. يعيد هذا القانون الأرجنتين إلى زمن لم تكن فيه حقوق العمال والحماية الاجتماعية معترفًا بها كركائز للديمقراطية. إنه قانون، مدفوع بأيديولوجية جبانة، لن يؤدي إلا إلى تفاقم عدم المساواة وعدم الاستقرار الاقتصادي. نقف متضامنين مع النقابات الأرجنتينية، متحدين ضد هذه الخطوة الخطيرة إلى الوراء، ونناضل من أجل مستقبل أفضل."
السياسات النيولبرالية تدمّر عالم العمل
وفي دعوتها الرسمية للإضراب الوطني، سلطت الكنفدراية العامة للشغل في الأرجنتين (CGT) الضوء على فقدان نحو 120 ألف وظيفة في القطاع الخاص و80 ألف وظيفة في القطاع العام. كما أشارت إلى تفاقم الأزمة، وتدمير القاعدة الصناعية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الديون العامة والخاصة.
وأكدت الكنفدرالية أن المشاكل الخطيرة المتمثلة في الفقر والبطالة وانعدام الأمن الوظيفي وتدهور الوضع الاجتماعي لا تنبع من لوائح سوق العمل، بل هي نتيجة مباشرة لغياب النمو والاستثمار الإنتاجي في السياسات الاقتصادية الوطنية. كما شددت على أن أعضاءها منفتحون على تحديث حقيقي للعمل يحترم الحقوق المكتسبة ويعزز التعاون، بحيث تتمكن الدولة، من خلال تحقيق التوازن بين النمو والتقدم، من توفير آفاق أفضل للتنمية الشخصية والأسرية والمجتمعية.
التعددية النقابية لا تعيق وحدة النضال
وقد انضم اتحادا النقابات العمالية الأرجنتينيان CTA-A وCTA-T إلى الإضراب ضد إصلاحات العمل، واصفين إياها بأنها تُلحق الضرر بالطبقة العاملة. وأكد اتحاد CTA-A أن القانون المقترح يُمثل اعتداءً مباشراً لا على حقوق العمال فحسب، بل على حقوق السكان ككل، وهجوماً على الديمقراطية. وشدد على أن الإصلاح يُلغي مكاسب تاريخية كالإجازات المدفوعة الأجر، والراحة الأسبوعية، وتعويضات نهاية الخدمة، ويوم العمل ذي الثماني ساعات، والحماية الاجتماعية الأساسية. ويتوقع اتحاد CTA-A عواقب وخيمة لهذا القانون، ومنها تفاقم انعدام الأمن الوظيفي، وزيادة العمل غير الرسمي، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم الإقصاء الاجتماعي.
أما المنظمة النقابية CTA-T، فإنها وصفت "الإصلاح" بأنه عدوان حكومي على العمال، يأتي في ظل ظروف مضطربة أصلاً، إذ تُعدّ الأرجنتين من بين الدول ذات أدنى متوسط للأجور في أمريكا اللاتينية، إلى جانب انخفاض القدرة الشرائية بنحو 30%، كل ذلك في ظل تسريح آلاف العمال الجدد. وأوضحت المنظمة أن إصلاح سوق العمل وما يصاحبه من إجراءات تقشفية ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من مشروع رجعي يهدف إلى تحميل عبء الأزمة على كاهل من يعتمدون على عملهم.
أما منظمة IndustriALL فقد دعمت بقوة النقابات العمالية الأرجنتينية في معارضتها لإصلاح قانون العمل. وهي تعتبر أن هذا الإصلاح المزعوم يثير مخاوف جدية من منظور النقابات العمالية، إذ يقترح تدابير من شأنها إضعاف المفاوضة الجماعية، وتقييد نشاط النقابات، وتقويض الحقوق الأساسية المعترف بها في معايير العمل لمنظمة العمل الدولية، ولا سيما حرية تكوين الجمعيات، والحق في الانضمام إلى النقابات، والحق في المفاوضة الجماعية.
التضامن العمالي ركن أساسي لنضال الطبقة العاملة
وقد حُضي أضراب عمال الأرجنتين بحملة تضامن عمالية أطلقتها منظمات نقابية إقليمية ودولية من بينها (UNI Americas) التي أصدرت بيانا عبرت فيه عن تضامنها الكامل مع المضربين دفاعًا عن الوظائف والحقوق التي ناضلوا من أجلها والعدالة الاجتماعية. كما أعربت المنظمة عن قلقها البالغ إزاء ما يُسمى "مشروع قانون تحديث العمل" الذي تروج له الحكومة اليمينية في الأرجنتين، فضلًا عن مجموعة الإجراءات الاقتصادية الأوسع نطاقًا التي تُؤثر سلبًا على فرص العمل والقدرة الشرائية ومستوى معيشة ملايين الأسر العاملة.
وذكر البيان أن الإصلاحات التي تُضعف المفاوضة الجماعية، وتُقلص حقوق العمال، وتُعزز انعدام الأمن الوظيفي لا تُعد تحديثًا. بل على العكس، تُمثل انتكاسة في الحماية الاجتماعية وتُشكل خطرًا على الاستقرار الديمقراطي والتنمية المستدامة. وذكّر أنه لا يُمكن تحقيق تنمية اقتصادية دون عمل لائق، بل أن السياسات العامة يحب أن تهدف إلى خلق وظائف رسمية، والحد من عدم المساواة، وبناء نموذج نمو يُعطي الأولوية للعمال وسائر المواطنين على المضاربات المالية.
وأشادت منظمة UNI Americas بروح التضامن العمالي التي تم التعبير عنها بأشكال عدّة في بلدان المنطقة، معتبرة إياها أحد أركان الحركة النقابية العالمية. وأكدت مجدداً التزامها الراسخ بالدفاع عن حقوق العمال وبناء مجتمعات أكثر عدلاً وديمقراطية.