الاقتصاد العراقي المعاصر
جعفر حيدر
2026 / 3 / 7 - 03:48
بقلم / جعفر حيدر
إنّ الاقتصاد العراقي المعاصر يعاني من مجموعة تعقيدات متراكمة جعلت بنيته الريعية غير قادرة على الانتقال إلى اقتصاد منتج ومستقر، ويظهر ذلك بوضوح في تعاطي الدولة مع مواردها الطبيعية، ولا سيما الطاقة، حيث تتجسد مفارقات عديدة تكشف عن عدم انسجام السياسات الاقتصادية مع الإمكانات المتاحة، فالعراق يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية والغازية في المنطقة، ومع ذلك يبقى جزء مهم من موارده الطبيعية لا يُستثمر بالشكل الذي يعكس حجم البلد وقدرته، بل يظهر في صور غير فعّالة تجعل المشهد الاقتصادي مشوشاً؛ إذ يمكن للمرء أن يلاحظ مثلاً أن أحد أهم الموارد المصاحبة لإنتاج النفط، وهو الغاز المصاحب، ما يزال يتعرض لمعاملات لا تتناسب مع قيمته الاستراتيجية، فيُترك قسم كبير منه في حالة فقدان متكرر رغم الحاجة المحلية، الأمر الذي يُنتج سلسلة من المفارقات، من بينها اعتماد العراق على مصادر خارجية لتأمين احتياجاته من الطاقة، رغم أن ما يُهدر داخلياً يكفي لسد جزء كبير من الطلب لو تمت معالجته وإدارته بصورة مختلفة، وبذلك تظهر الازدواجية بين وفرة الإمكانات وضعف الاستفادة الفعلية، وهذا ليس بعيداً عن طبيعة الإدارة الاقتصادية العامة التي غالباً ما تتعامل مع الثروة النفطية بوصفها ريعاً سياسياً أكثر من كونها مشروعاً تنموياً، مما جعل موارد الطاقة تتحول إلى أداة تُستهلك في إطار شبكات معقدة تستفيد منها أطراف متعددة داخل البنية السياسية، فتتآكل العوائد الحقيقية في بيئة لا تُسهم فيها القرارات باكتشاف الأثر التنموي أو بقياس كفاءة التوزيع، بل يلاحظ المراقب أن الاستهلاك المحلي للنفط ومشتقاته يرتفع بصورة غير منضبطة، وأن جزءاً منه يتسرب عبر استخدامات غير منتجة ترتبط ببنى سلطوية أكثر مما ترتبط ببنى اقتصادية، فيتحول النفط من ثروة عامة إلى مادة تُستهلك في اتجاهات سياسية واجتماعية لا تنعكس نتائجها بوضوح على المواطن العادي، ومع أن الدولة تمتلك موارد مالية كافية لإطلاق مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة، إلا أن البيئة الاقتصادية تشهد في كل مرحلة ضبابية في تحديد مسارات تلك الموارد؛ فالعوائد تدخل ضمن منظومة إنفاق ضخمة، لكن مخرجاتها على الأرض تبقى أقل بكثير من حجم الدخل، ما يولّد شعوراً عاماً بأن المال العام يتعرض لمسارات غير واضحة المعالم، فتضيع الفرص التنموية، وتبقى المشاريع قيد التخطيط أو غير مكتملة، بينما تستمر الدورة الاقتصادية في الدوران حول نفسها من دون تحقيق قفزات إنتاجية، ويظهر هذا بجلاء في ملف البيئة، حيث تُسجَّل خساراتٍ متكررة في الموارد الطبيعية بسبب سوء الإدارة، إذ تتعرض الثروات البيئية – من مياه، وتربة، ومعادن، وغازات – إلى عمليات استنزاف أو حرق أو فقدان دون تحديد واضح لجهة القرار أو المسؤول عن تلك الممارسات، وتبقى ملفات البيئة عالقة بين المؤسسات، كل جهة ترمي المسؤولية على الأخرى، فيما يُفقد البلد فرصاً كان يمكن أن تضيف إلى اقتصاده أبعاداً جديدة، ومع أنّ هناك محاولات حكومية لإصلاح هذه المسارات، إلا أن النتائج تبقى محدودة بسبب عدم وضوح الرؤية الاقتصادية وانقسام القرار بين اعتبارات مختلفة، فالموارد تُصرف، والخطط تُعلن، لكن المواطن لا يرى نتائج تراكمية واضحة تعكس حجم الإنفاق، فيبقى الاقتصاد محصوراً في دائرة ريعية تعتمد على النفط، فيما تظل بقية القطاعات الإنتاجية ضعيفة، والزراعة والصناعة في حالة شبه غياب، والبنى التحتية في حالة تأخر مزمن، ومن هنا يمكن القول إن الاقتصاد العراقي يعيش حالة ديناميكية معقدة تجعل موارده الوفيرة غير قادرة على التحول إلى مشاريع حقيقية، لأن إدارة الثروة ليست مبنية على رؤية إنتاجية، بل على شبكة مصالح تُهدر فيها الطاقة، ويضيع فيها الغاز، وتتبدد فيها الموارد البيئية، وتُصرف فيها العوائد دون أن يظهر أثرها التنموي بالشكل الذي يعكس قدرات البلد الحقيقية، ليبقى الاقتصاد في حاجة إلى إصلاح جذري يحرره من دورات الهدر والإنفاق غير المنتج، ويجعله قادراً على الاستفادة من إمكاناته الهائلة لبناء دولة مستقرة واقتصاد متنوع يخرج أخيراً من أسر الريع إلى فضاء التنمية الفعلية.