حين يكون الشعب وطناً


جعفر حيدر
2026 / 3 / 4 - 11:26     

بقلم /جعفر حيدر
في الجغرافيا خرائط كثيرة، لكن الوطن ليس خطاً مرسوماً بقلمٍ سياسي، ولا نشيداً يُتلى في الصباحات المدرسية، الوطن فكرة أخلاقية قبل أن يكون قطعة أرض، وعدٌ ضمني بين الناس بأن لا يخاف أحدهم من الآخر، وأن لا يكون الاختلاف سبباً للاتهام، ولا الفقر سبباً للإذلال، ولا الرأي المختلف سبباً للإقصاء. السلام ليس هدنةً بين بندقيتين، بل حالة وعيٍ جمعيٍ تدرك أن الخسارة الحقيقية لا تكون في خسارة معركة، بل في خسارة الإنسان. حين تمشي في سوقٍ قديمٍ تختلط فيه لهجات متعددة، وتسمع بائعاً ينادي بلكنة جنوبية، ويرد عليه زبون بلكنة شمالية، ويمازحه ثالث بلهجة من الغرب، ثم يتشاركون جميعاً الشاي ذاته تحت شمسٍ واحدة، هناك يتجسد السلام بصورته الأصدق؛ سلام لا تصنعه المؤتمرات بل تصنعه العادات اليومية البسيطة التي تعترف بالآخر دون خوف.
المواطنة ليست بطاقة تعريف تُبرزها عند الحاجز، بل شعور داخلي بأنك شريك لا تابع، وأن كرامتك ليست منحة من أحد. حين يقف شاب في طابور التعيين، لا يسأل عن اسمه العائلي قبل أن تُفحص كفاءته، وحين تدخل فتاة قاعة الامتحان فلا يُنظر إلى انتمائها قبل أن يُنظر إلى ورقتها، وحين يتقاسم أبناء مدينةٍ ما الماء والكهرباء بلا تمييز، هناك تبدأ المواطنة بالتحقق. لقد رأينا في أكثر من مكان كيف يتحول غياب العدالة إلى شرارة احتقان، وكيف يمكن لفرصة عملٍ عادلة أن تطفئ ناراً كانت تكبر في الصدور. العدالة الاجتماعية ليست شعاراً يُكتب على الجدران، بل نظام توزيع عادل للفرص قبل الثروات، للحقوق قبل الامتيازات، هي أن يشعر ابن القرية البعيدة أن صوته مسموع كما يُسمع صوت ابن العاصمة، وأن تعب الفلاح لا يقل قيمة عن تعب الموظف، وأن دم الجندي لا يختلف عن دم المدني.
أما التعددية الفردية فهي الاعتراف بأن الإنسان ليس نسخة مكررة من غيره، وأن المجتمع الذي يخاف من التنوع يشبه حديقةً تقرر أن تزرع نوعاً واحداً من الزهور، فتفقد ألوانها ورائحتها ودهشتها. في مدينةٍ تعاقبت عليها حضارات وأديان وأفكار، لا يمكن أن يُختزل الناس في قالب واحد دون أن يُظلم التاريخ نفسه. هناك من يؤمن بطريقته، وهناك من يفكر بأسلوب مختلف، وهناك من يختار أن يعيش حياته بعيداً عن صخب الجماعات، وكلهم في النهاية أبناء الأرض ذاتها. التعددية لا تعني الفوضى، بل تعني أن يكون القانون مظلةً تحمي الجميع دون أن تفرض على أحدٍ أن يتنازل عن خصوصيته. وحين يُسمح للصحفي أن ينتقد دون خوف، وللفنان أن يرسم دون رقابة تعسفية، وللمواطن أن يحتج سلمياً دون أن يُتهم بالخيانة، فإن المجتمع يكون قد قطع شوطاً كبيراً نحو نضجه.
في بلدانٍ عانت طويلاً من الصراعات، تعلم الناس أن العنف لا يبني دولة، وأن الطائفية السياسية تستهلك طاقاتهم كما تستهلك النار الحطب، وأن الخارج لا يدخل إلا حين يجد باباً مفتوحاً من الداخل. لذلك فإن السلام الحقيقي يبدأ بإغلاق أبواب الكراهية قبل إغلاق الحدود، وبترميم الثقة بين الجار وجاره قبل توقيع الاتفاقيات. رأينا كيف يمكن لمبادرات شبابية بسيطة أن تنظف شارعاً أهملته البلديات، وكيف يمكن لحملة تبرعٍ شعبية أن تسند عائلة منكوبة قبل وصول أي مؤسسة رسمية، وكيف يمكن لمجموعة طلاب أن تنظم ندوة حوار بين اتجاهات فكرية مختلفة دون أن يتحول النقاش إلى خصومة. هذه الأفعال الصغيرة هي اللبنات الأولى لدولة عادلة، لأنها تُرسّخ ثقافة المشاركة بدل ثقافة الاتهام.
العدالة الاجتماعية أيضاً تعني أن لا يُترك ضحايا الفقر والحروب على هامش المشهد، وأن لا يتحول ملف الشهداء والنازحين والجرحى إلى أرقامٍ في تقارير رسمية. حين تُعالج جراح الماضي بإنصاف، ويُحاسَب الفاسد مهما كان اسمه، ويُعاد المال العام إلى خزينة الناس، يشعر المواطن بأن الدولة ليست خصماً بل حامياً. لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الشعوب التي تُغلق ملفاتها المؤلمة دون مصارحة، تبقى أسيرة لها، أما التي تواجه أخطاءها بشجاعة فتمتلك فرصة البدء من جديد.
السلام والمواطنة والعدالة والتعددية ليست مفاهيم مثالية تعيش في الكتب، بل شروط واقعية لبقاء أي أمةٍ تريد أن تعيش بكرامة. الأمة التي عرفت الكتابة منذ آلاف السنين، والتي سارت على أرضها قوافل التجارة والعلم، والتي اختلط في أنهارها الطين بالدم ثم عاد فاختلط بالقمح، لا يمكن أن تختصر نفسها في صراعٍ عابر أو انقسامٍ طارئ. قوتها في تنوعها، وصلابتها في قدرتها على النهوض بعد كل كبوة، وكرامتها في أن تضع الإنسان فوق كل اعتبار. وحين تتعلم الأرض أن تكون وطناً للجميع، لا غالب فيها إلا القانون، ولا مفضل إلا الكفء، ولا صوت أعلى من صوت العدالة، عندها فقط يتحول السلام من حلمٍ مؤجل إلى واقعٍ يومي، وتصبح المواطنة هويةً جامعة لا شعاراً موسمياً، وتغدو التعددية ثراءً لا تهديداً، ويولد جيلٌ جديد لا يسأل: من أنت؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن نبني معاً؟