قراءة نقابية أولية في العدوان على إيران وإعادة تشكيل النظام الدولي
جهاد عقل
2026 / 2 / 28 - 16:55
*حرب تُضاف إلى حصار طويل
التصعيد العسكري ضد إيران لا يبدأ من لحظة القصف.إنه يأتي فوق سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية والقيود المالية التي أثّرت بعمق على المجتمع: تضخم مرتفع، تراجع القدرة الشرائية، ضغوط على الخدمات العامة، وتقييد فرص التنمية.
عندما يُستكمل الحصار بالقصف، تُدفع الشعوب إلى دائرة أشد قسوة:الاقتصاد المنهك يصبح أكثر هشاشة، والأسواق أكثر اضطرابًا، ومستوى المعيشة أكثر تراجعًا.من منظور نقابي، الصورة واضحة: الحصار يضعف المجتمع، والحرب تكمل الدائرة.
*اقتصاد الحرب: من يربح ومن يخسر؟
الحرب ليست مجرد قرار سياسي؛ إنها بنية اقتصادية متكاملة.
كل تصعيد يعني:ميزانيات دفاع أكبر،عقود تسليح إضافية،أرباحًا استثنائية لصناعات السلاح،تقلبات مربحة في أسواق الطاقة.
وهذا ما حذّر منه تاريخيًا الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور عند حديثه عن نفوذ “المجمع الصناعي العسكري” وتأثيره في القرار السياسي.اليوم، تتجسد هذه المعادلة في أرباح شركات كبرى صناعة الأسلحة وأصحابها ، حيث يرتبط تصاعد التوتر بارتفاع الطلب والإيرادات والأرباح.
في المقابل:العمال يدفعون كلفة التضخم.الخدمات العامة تُضغط بحجة “الأمن القومي”.تُجمَّد الأجور أو تتآكل قيمتها الحقيقية.
*إنها معادلة غير عادلة: أرباح خاصة… وخسائر اجتماعية عامة.
الطاقة… الجغرافيا التي تشتعل
الشرق الأوسط ليس فقط ساحة سياسية، بل عقدة مركزية في سوق الطاقة العالمي.أي تصعيد عسكري ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز، ما يعني:ارتفاع تكاليف النقل،زيادة أسعار الغذاء،
ضغطًا إضافيًا على الأسر العاملة،اضطرابًا في اقتصادات الجنوب العالمي.
الطاقة هنا تتحول إلى سلاح اقتصادي، وأسعارها تصبح أداة ضغط غير مباشرة على معيشة ملايين العمال.
*صراع ممرات الطاقة وإعادة تشكيل النظام الدولي
لا يمكن فهم التصعيد بمعزل عن التنافس على ممرات الطاقة وخطوط التجارة العالمية.
المنطقة تمثل عقدة عبور استراتيجية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتشكل جزءًا من شبكة أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.
مع احتدام التنافس بين قوى كبرى — الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والاتحاد الأوروبي — تتحول بؤر الصراع الإقليمي إلى ساحات اختبار لتوازنات دولية جديدة.
الصراع لا يدور فقط حول “ملف نووي” أو “أمن إقليمي”، بل حول:من يسيطر على طرق تصدير الطاقة؟ من يؤمّن سلاسل الإمداد؟ من يحدد قواعد النظام المالي العالمي؟ من يرسم ملامح النظام الدولي متعدد الأقطاب؟
* وهنا يكمن الخطر:
في مرحلة انتقال النظام الدولي، تكون الحروب أكثر قابلية للتمدد، لأن كل قوة ترى في الأزمة فرصة لإعادة تثبيت موقعها في الخريطة العالمية.
أي مواجهة واسعة في الخليج قد تعني: تعطّل شرايين التجارة العالمية،اضطرابًا ماليًا واسع النطاقن
سباق تسلح إقليميناحتمالية انخراط قوى كبرى بشكل مباشر أو غير مباشر ، وهذا يرفع خطر تحوّل نزاع إقليمي إلى أزمة دولية أوسع.
* أرقام ودلالات: ميزانيات الحرب مقابل احتياجات البشر
يتجاوز الإنفاق العسكري العالمي اليوم تريليوني دولار سنويًا. هذه الموارد الهائلة يمكن أن تموّل:
أنظمة صحة عامة متطورة،انتقالًا طاقيًا عادلًا، برامج تشغيل واسعة، استثمارات في التعليم والسكن.
وقد شدد الاتحاد الدولي للنقابات على أن تصاعد الإنفاق العسكري يحوّل الموارد بعيدًا عن الأولويات الاجتماعية.كما أكد الاتحاد الأوروبي للنقابات أن الأمن لا يمكن أن يتحقق على حساب الحقوق العمالية والتماسك الاجتماعي.
وفي الولايات المتحدة، أكد الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) مرارًا ضرورة توجيه الموارد نحو الوظائف الجيدة والبنية التحتية بدل الحروب المفتوحة.
هذا موقف أممي متسق: السلام شرط للعمل اللائق، والعمل اللائق شرط للاستقرار.
*من يدفع الثمن؟
في كل حرب يتكرر المشهد:العمال يُجنّدون أو يُهجَّرون.العمال يتحملون التضخم والركود.
العمال يُطلب منهم قبول التقشف بعد انتهاء القصف.بينما تبقى أرباح صناعات السلاح والطاقة في منحنى صاعد.
* لا لاقتصاد الحرب… نعم لاقتصاد السلام
إن العدوان العسكري والحصار الاقتصادي ليسا طريقًا للديمقراطية ولا للاستقرار.
إنهما أدوات لإدارة توازنات القوة في الاقتصاد العالمي.من موقعنا النقابي، نؤكد:
لا لتوسيع دائرة الحرب.
لا لتحويل ممرات الطاقة إلى ساحات صراع.
لا لاستخدام الشعوب كأدوات في إعادة تشكيل النظام الدولي.
نعم للحلول السياسية.
نعم لنزع السلاح وخفض التوتر.
نعم لتحويل ميزانيات الحرب إلى استثمار في الإنسان والعمل اللائق.
إن عدوّ العامل ليس العامل في بلدٍ آخر، بل اقتصاد الحرب الذي يربح من انقسام الشعوب.
والتضامن العمالي العابر للحدود هو الرد الحقيقي على منطق الهيمنة والعسكرة.