هرطقات العقل العرقي الشوفيني المتخيل ( الجزء 2).
كوسلا ابشن
2026 / 2 / 24 - 22:39
الإستعمار لا يسقط بالتقادم و لا بالمسخ الهوياتي.
من خلال موضوع "أنا بورغواطي: جنون الهوية" يهاجم يقطين بالسردية التخيلية ما إدعاه خرافة بورغواطا, إلا أنه لم يعمل إلا على إعادة إنتاج هرطقات و مغالطات و خرافات الأولين المرتبطة بالهوس الجنوني و العداء التام لكل من تحرر من وحشية الأعراب و ثقافتهم و لغتهم الجافتين, هكذا كفروا الفرس و جعلوهم خارج أهل ملة الاسلام بسبب التخلي عن اللغة و المذهب الطائفي الأعرابيين. و لم تنجوا مملكة بورغواطا في أقصى شمال إفريقيا من طبيعة الأعراب في العداء الجنوني للآخر الرافض لمشيئة الإحتلال الأعرابي, و تلقى أهلها الأمازيغ وابل من الشتم و السب و الهجاء.
بين سنة ( 739 و 740م), ثارت القبائل الأمازيغية بقيادة بورغواطا ضد الإضطهاد الوحشي و اللا إنساني من الإذلال و التحقير والإهانة, الممارس من طرف الإستعمار الأعرابي المحتل لبلاد الأمازيغ أنذاك, و إمتدت الثورة الى كامل بلاد الأمازيغ (تامازغا) حتى طرد الإستعمار و تنظيف الأرض الطاهرة من و بطش الوحوش.
نتيجة إنهزام الجيش الإستعماري الأعرابي المتوحش, حرر الأمازيغ بلادهم من الإحتلال (741م), و أسسوا مجموعة من الكيانات السياسية المستقلة و من بينها مملكة بورغواطا.
من هي مملكة بورغواطا؟
بإختصار بورغواطا هي إحدى قبائل المصامدة, كان موطنهم بتامسنا على ساحل المحيط الأطلسي, قال فيهم بن خلدون:" كان كبيرهم لأول المائة الثانية من الهجرة طريف أبو صالح, و كان من قواد ميسرا المطغري, ثم هلك و ولى مكانه إبنه صالح, و كان من أهل العلم و الخير. انتحل دعوة النبوة و شرع لهم الديانة التي كانوا عليها". يضيف بن خلدون:" قد يغلط بعض الناس في نسب برغواطا هؤلاء, فيعدوهم في قبائل زناتة, و أخرون يقولون في صالح: أنه يهودي من ولد شمعون بن يعقوب, و أنه إشتغل بالسحر. و هو الأغاليط البينة, و ليس القوم من زناتة و يشهد لذلك موطنهم و جوارهم لإخوانهم المصامدة, أما صالح ابن طريف فمعروف, منهم و ليس من غيرهم".
عرفت مملكة بورغواطا بفضل عوامل طبيعية بموقعها الإستراتيجي الواقع على ضفاف نهر أم الربيع و نهر أبي رقراق, بالإضافة الى أنهار صغيرة تجري في أراضي البورغواطيين, ما وفر خصوبة الأراضي الزراعية الضامنة للإزدهار الفلاحي و الضامن للإستقلال الذاتي على المستوى الإقتصادي, يلبي إحتياجات السوق الداخلي. بعد الإستقلال تم تأسيس جيش قوي يدافع عن الدولة, كما تم تأسيس مؤسسات الدولة المتخذة من لغة الأم اللغة الرسمية للدولة, كما أن الإستقلالية عن العروبة الإستعمارية ضمنت الإستقرار السياسي و التطور الثقافي, و لولا عامل إستقلال و إزدهار و تطور بورغواطا و إستقرارها السياسي لما إستمرت المملكة قرابة أربعة قرون, رغم الحروب التي خاضتها ضد منافسها و خصوها و أعداءها. و عن ازدهار مدن و قرى مملكة بورغواطا, وقد ذكر بن خلدون تمدن أهل بورغواطا.
عن صالح بن طريف كتب الشوفيني المتعصب لآيات التخلف و الإرهاب :" إنه مشعوذ (السحر) ودجال (التنجيم) ومتبنٍ للتقية, ولا علاقة له بالديمقراطية, وهو يورث السلطة لأبنائه. لقد استخف عقول العامة فأطاعوه, وادعى النبوة بعد اطلاعه على بعض الهرطقات المشرقية (مقلد بليد)". البنية الفكرية المنغلقة للشوفين و الطائفيين حبست تفكيرهم في سذاجة أقوال العامة. أما بن خلدون رغم معارضته لأطورحة صالح للإسلام, فقد قال عن صالح :" كان من أهل العلم و الخير", و يضيف: " يقولون في صالح: أنه يهودي من ولد شمعون بن يعقوب, و أنه إشتغل بالسحر. و هو الأغاليط البينة".
إنتقاد النظام السياسي لدولة بورغواطا في القرون الوسطى, بسبب نظامها الوراثي و لإنعدام الدمقراطية, يعد تحليل غبي, بإسقاط طبيعة الحاضر على الماضي. ما هو معروف أنه أينما حل الإسلام إختفت العدالة و المساواة و طغي الاستبداد و الحكم الوراثي (الاسلام و الدمقراطية لا يلتقيان).كما أن يقطين ينتقد ما هو ماضوي و نسي أنه يعيش اليوم في بلد بنظام اللادمقراطي وراثي و في القرن 21, و لم ينتقده, بل يدافع عن هذا النظام الظالم, و على قول المثل ( من كان بيته من زجاج فعليه أن لا يقذف بيوت الأخرين بالحجارة).
شتم و تكفير يقطين و أمثاله من متعصبي العروإسلام لصالح ليس لمجرد تبنيه المذهب الخارجي المنافس للمذهب السني فقط, بل السبب الرئيسي هو أن بورغواطا تحررت من العروبة الإستعمارية بتخليها عن الإسلام العربي و التخلى عن اللغة العربية الاستعمارية و إتخاذ اللغة المحلية لغة رسمية. تكفير الآخر فعل غير دمقراطي و غير عقلاني و يعد تفكير فاشي يظهر تعصب يقطين للفكر القومي العروبي القاهر و تشدد للفكر الديني إرهابي المعادي لحرية المعتقد.
قول نقل صالح تعاليمه من ديانة اليهودية, فهي مسألة عادية في صناعة الدين, فمؤلفي القرآن نقلوا آياته من الديانات المشرقية, اليهودية و المسيحية و الزرداشتية و غيرها, ما يأكد بأن الدين صناعة بشرية. و ليس هناك أفضلية لدين عن الآخر.
إتهام صالح بالبدع الدينية, لكونه أراد تمزيغ الإسلام, بجعله إسلاما مرتبطا بالواقع المحلي, و لهذا السبب ترجم القرآن الى لغة قومه و أصدر تشريعات مناسبة للبيئة المحلية. أطروحة صالح كانت تتمثل في معارضة لفكرة إرتباط العروبة بالإسلام السائدة في الفكر الإستلابي العربي المنتشر خارج بلاد الأعراب الحجاز, الذي إعتبره صالح دعوة عرقية عربية أجنبية, لا تتناسب مع الثقافة و اللغة الأمازيغيتين. تعاليم صالح كانت قومية, منتسبة الى ثقافة القوم الامازيغي بخصوصيته المحلية, تعاليم مضادة لثقافة التمييز العنصري و التفوق العرقي.
لترسيخ الاستقلال السياسي و الإقتصادي, قام صالح بن طريف بثورة في الحقل الديني, هدفت الى بلورة الإسلام المحلي الأمازيغي, حامل لقيم ثقافية و لغوية محليتين, ميزت الإسلام الأمازيغي عن الإسلام الأعرابي المؤسس على أساس عرقي و سياسة إستعمارية. هكذا ولد المقدس البورغواطي بلغته و قيمه الأمازيغيتين. الفعل الذي إعتبره العرب خروجا عن نهج الاسلام الإستعماري, الأمر الذي حث إيديولوجيي العروبة على محاربة دولة بورغواطا بدون هوادة, لأنها كما سبق تحررت سياسيا و إقتصاديا و ثقافيا و لغويا عن الإستعمار العربي, و دافعت عن هويتها الثقافية و اللغوية و حاربت الغزو الثقافي و اللغوي الإستعماريين.
التاريخ في كثير من الأحيان و الفترات يكتبه المنتصرون على مزاجهم و لصالح توجهاتهم السياسية و الإيديولوجية, و دولة بورغواطا لم تكن الإستثناء, فقد كتب تاريخها من طرف منافسيها و أعدائها, لقد تعرضت المخطوطات و الوثائق البورغواطية للإتلاف و الإحراق, كما تعرضت معالمها الأثرية و التاريخية للدمار و الطمس و النسيان من طرف الحكام الأمازيغ المرابطين و الموحدين و غيرهما من المنافسين لدولة بورغواطا, قبل أن تتعرض للتشويه و التزييف من قبل النظام الكولونيالي المعاصر.
مطالبة الأمازيغ بتصحيح تاريخ البلاد, أزعج أزلام النظام الكولونيالي, فقاموا بحملة هيستيرية ضد الحركة الأمازيغية متهما أياها بإشعال الصراع الأمازيغي-العربي في خدمة الصهيونية, أقوال تافهة مجهزة سابقا تنتظر لحظة الجهر بها. دعاة العروبة الإستعمارية لا ماضي لهم في بلاد الأمازيغ, عدا الحملة الوحشية الدموية الهادفة الى الآبادة و السبي و النهب. بفضل بورغواطا و المتحالفين معها من القبائل الأمازيغية, فقد طرد الأعراب المتوحشون من بلاد الأمازيغ سنة 741م.
العروبة ايديولوجية قهرية إستعمارية لا شرعية لها و لا مكان لها في تاريخ بلاد الأمازيغ, و المدافعين عنها حثالة النظام الكولونيالي العروبي الذي زيف و زور تاريخ المنطقة لصالح سياسته الإستعمارية, بتعريض المعالم الآثرية و التاريخية للدمار و الطمس و التشويه و النسيان و كانت بورغواطا ضمن هذا المخطط الإستعماري.
في غياب المصداقية العلمية فما كتبه العرب و عبيدهم عن الفترة التاريخية لمملكة بورغواطا, كان منافي للحقائق التاريخية و العلمية, أما داخل بلاد الأمازيغ المحتلة فقد منعت بورغواطا من المناهج التعليمية و أسقطت من تاريخ بلاد إمازيغن.
سيظل تاريخ بورغواطا رمز للعزة القومية الأمازيغية و مشعل للنضال الأمازيغي التحرري ضد الإستعمار و ثقافته القهرية.